اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-02 17:09:00
لا يكاد يوجد فلسطيني عبر جسر الملك الحسين ولم يعود حاملاً قصة انتظار أو تأخير أو معاناة، وربما تجربة استغلال أيضاً. ولم يعد الجسر منذ سنوات مجرد معبر حدودي يربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي، بل تحول إلى مصدر معاناة يومية يعيشها آلاف المسافرين. ساعات الانتظار الطويلة، والازدحام المتكرر، والإجراءات المعقدة، والفوضى التي تحدث في كل موسم سفر، حتى أصبحت رحلة العبور نفسها عبئاً نفسياً واقتصادياً وإنسانياً. ولعل ما يزيد من مرارة هذه المعاناة هو أن معظمها لم يعد يُنظر إليه على أنه استثناء، بل أصبح بالنسبة للعديد من الفلسطينيين جزءا من تجربة السفر المعتادة. ووسط هذه المعاناة قررت وزارة الداخلية الأردنية منع 468 شخصا من السفر عبر جسر الملك الحسين اعتبارا من 30 يونيو 2026، بعد أن تبين أنهم سافروا مرارا إلى الأردن لأغراض تجارية، وعلى وجه الخصوص للاستفادة من فرق أسعار السجائر والعسل في الأسواق الحرة. وأثار هذا القرار جدلا واسعا في الشارع الفلسطيني. وبينما كان الاهتمام منصباً على الأشخاص الذين يمارسون هذا النشاط، غاب سؤال أهم: هل المشكلة في هؤلاء الأفراد، أم في السياسات الاقتصادية والإدارية التي دفعتهم إلى هذا الاختيار أصلاً؟ لكن إذا أردنا أن نفهم هذه الظاهرة بشكل صحيح، فلا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نمنع هؤلاء من السفر؟ ولكن: لماذا أصبح هذا النشاط مصدر دخل لمئات الأسر الفلسطينية في المقام الأول؟ فهل يمكن فهمه بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها الفلسطينيون، في ظل القيود الإسرائيلية الصارمة على الاقتصاد الفلسطيني، وحرمان عشرات الآلاف من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، وما نتج عن ذلك من ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض مستويات الدخل، وتقلص فرص العمل؟ في الاقتصاد، لا تظهر الأسواق الموازية أو التجارة غير الرسمية من الفراغ، بل تنشأ عندما تتوافر الحوافز الاقتصادية التي تجعل العائد المتوقع أكبر من تكلفة المخاطرة. ولذلك فإن الاقتصادي لا يبدأ بتحليل سلوك الأفراد، بل يبدأ بدراسة البيئة الاقتصادية التي أنتجت هذا السلوك. وهذا بالضبط ما ينطبق على الحالة الفلسطينية. فمن ناحية، فقد آلاف الفلسطينيين مصادر رزقهم نتيجة القيود التي فرضتها إسرائيل على دخول العمال الفلسطينيين للعمل داخل الخط الأخضر، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، ودفع العديد من المواطنين للبحث عن مصادر دخل بديلة لإعالة أسرهم. ومن ناحية أخرى، هناك فجوة سعرية كبيرة بين أسعار السجائر والعسل في الأسواق الحرة الأردنية وأسعارها في السوق الفلسطينية، نتيجة الضرائب. والرسوم الباهظة المفروضة عليهم. وعندما يقترن فقدان مصدر الدخل بفارق كبير في الأسعار، يصبح من الطبيعي أن يحاول بعض الأفراد استغلال هذه الفجوة بشراء هذه المنتجات وإعادة بيعها داخل السوق الفلسطيني. ومن هنا فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تهريب أو تجارة فردية، بل هو استجابة اقتصادية لواقع اقتصادي صعب. فالأفراد لا يخلقون الحوافز، بل يستجيبون لها. لذا فإن معالجة المشكلة من خلال تشديد الإجراءات على المعابر أو الحد من السفر المتكرر قد يقلل مؤقتاً من حجم الظاهرة، لكنه لن يعالج أسبابها الحقيقية. وطالما ظلت معدلات البطالة مرتفعة، واستمرت الفجوة الكبيرة في الأسعار، وظلت الحوافز الاقتصادية قائمة، فسوف يبحث السوق عن وسائل أخرى لتحقيق الأرباح. ومن هنا فإن أحد الحلول الجديرة بالدراسة هو إعادة النظر في السياسة الضريبية المفروضة على السجائر والعسل. والهدف من ذلك ليس تشجيع التدخين، إذ تبقى حماية الصحة العامة هدفا أساسيا، بل الوصول إلى سياسة ضريبية أكثر توازنا تقلل الفجوة السعرية مع الأردن، وتحد من الجدوى الاقتصادية للتجارة غير الرسمية، وفي الوقت نفسه تخفف العبء المالي على المواطن الفلسطيني الذي يعيش إحدى أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخه. السياسات الضريبية الناجحة ليست فقط تلك التي تحقق أعلى الإيرادات، بل هي تلك التي تنجح في تحقيق التوازن بين أهداف الصحة العامة، والإيرادات الحكومية، والحد من التهريب، والواقع الاقتصادي الذي يعيش فيه المواطن. ومن زاوية أخرى، ما زلت أعتقد أن استبعاد العمال الفلسطينيين من سوق العمل داخل إسرائيل لن يكون حلا دائما. ورغم التوسع في استيراد العمالة الأجنبية، إلا أن الاعتبارات الديموغرافية والاجتماعية والأمنية تجعل هذا الخيار محدودا على المدى الطويل. ولذلك فإن عودة العمال الفلسطينيين إلى وظائفهم ستسهم في تحسين دخل الأسرة وتقليل اعتماد بعض المواطنين على الأنشطة التجارية المؤقتة، مثل تجارة السجائر، لأن الإنسان بطبيعته يفضل العمل المستقر على أي مصدر دخل محفوف بالمخاطر. لكن المشكلة لا تقف عند تجارة السجائر وحدها، بل تمتد إلى إدارة المعابر نفسها. معاناة الفلسطينيين على جسر الملك الحسين أصبحت جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية. ساعات انتظار طويلة وازدحام متكرر وإجراءات معقدة، في وقت يمثل هذا الجسر المنفذ البري الرئيسي للفلسطينيين إلى العالم الخارجي. تؤكد نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي أن 76.6% من الفلسطينيين يعزون أزمة الازدحام على الجسر إلى أسباب سياسية وأمنية، بينما يعتقد 19.1% فقط أن السبب هو ضعف التنسيق بين الطرفين، وهو ما يشير بوضوح إلى أن الرأي العام الفلسطيني لا يعتبر المسافرين أو التجار السبب الحقيقي للأزمة، بل يربطها بعوامل أوسع تتعلق بآلية إدارة المعابر والقيود المفروضة عليه. كما أظهرت النتائج أن 83% من الفلسطينيين يعتقدون أن الازدحام يقيد حرية التنقل ويزيد من معاناة الإنسان، فيما يؤيد 94% تشغيل معبر الكرامة 24 ساعة يومياً كأحد أهم الحلول للتخفيف من الأزمة. كما رأى 47% من المواطنين أن المعبر لا يلبي احتياجات المسافرين، فيما اعتبر 53.5% أن نظام VIP غير عادل، ورأى 52.1% أنه يساهم في زيادة الازدحام. وتؤكد هذه النتائج مجتمعة أن المشكلة أكبر بكثير من مسألة كثرة السفر أو تجارة السجائر. من وجهة نظري فإن أزمة الجسر تتكون من قسمين رئيسيين. ويتعلق الجزء الأول بالإجراءات الإدارية والتنظيمية التي تحتاج إلى مراجعة شاملة وتطوير آليات العمل وتحسين التنسيق بين جميع الأطراف المعنية، بما يسهم في تسريع حركة الركاب وتحسين جودة الخدمات. وفي هذا السياق، يبدو أن هناك جهوداً أردنية بدأت خلال الفترة الأخيرة، بقيادة وزير الداخلية الأردني مازن الفراية، بهدف تنظيم حركة العبور، وضبط آلية بيع تذاكر الطائرة، والحد من بعض الممارسات التي ساهمت في تفاقم الازدحام. وهي خطوات تستحق التقدير، ونأمل أن تترجم إلى إجراءات عملية وفعالة تنعكس إيجابا على واقع السفر، وأن تتضح نتائجها في المستقبل القريب بما يخفف من معاناة المسافرين الفلسطينيين. أما الجزء الثاني وهو الأكثر تأثيراً فيتعلق بساعات عمل الجسر نفسه. وفي الوقت الذي تعمل فيه معظم المعابر الدولية أربعاً وعشرين ساعة يومياً، لا يزال جسر الملك الحسين يعمل لساعات محدودة، مع إغلاقه مبكراً يومياً، ما يقلل من طاقته الاستيعابية ويؤدي إلى تراكم أعداد الركاب ولفترة زمنية طويلة. فترات الانتظار، وخاصة في مواسم السفر. وأوضح وزير الداخلية الأردني أن عدد المسافرين المسموح لهم بالمغادرة يبقى مرتبطا بالقيود التي يفرضها الجانب الإسرائيلي، ما يؤكد أن معالجة هذه الأزمة تتطلب تعاونا وتنسيقا حقيقيا بين جميع الأطراف، ولا يمكن أن تقع مسؤوليتها على طرف واحد. ومن هنا فإن تحسين إدارة المعبر وإعادة النظر في ساعات عمله ورفع طاقته الاستيعابية وتطوير الخدمات المقدمة للمسافرين، تمثل خطوات لا تقل أهمية عن أي إجراءات رقابية تهدف إلى الحد من السفر المتكرر. وما زلت أعتقد أن معالجة هذه الأزمة أمر ممكن إذا توفرت الإرادة الحقيقية. لجميع الأطراف. المواطن الفلسطيني لا يبحث عن امتيازات خاصة، ولا يسعى للتحايل على الأنظمة. بل يبحث عن معبر يعمل بكفاءة، وإجراءات أكثر انسيابية، وفرصة عمل لائقة توفر له ولأسرته حياة مستقرة، وتغنيه عن البحث عن مصادر دخل بديلة. لقد علمنا علم الاقتصاد أن الأفراد يستجيبون للحوافز؛ ولذلك فإن الحل الحقيقي لا يكمن في ملاحقة الأفراد أو مجرد معالجة النتائج، بل في إزالة الأسباب التي دفعتهم إلى هذا السلوك في المقام الأول. فعندما تتوافر فرص العمل، وتتم مراجعة السياسات الضريبية بشكل متوازن، وتتحسن كفاءة إدارة المعابر، وتزداد قدرتها التشغيلية، فإن العديد من الظواهر التي ننشغل بمحاربتها اليوم سوف تنحسر تلقائياً. المشكلة ليست في التاجر، بل في البيئة الاقتصادية والإدارية التي أنتجته. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يبقى مطروحا ليس: كيف نمنع الناس من السفر أو التجارة؟ بل: كيف نعالج السياسات والظروف التي دفعتهم إلى ذلك؟ وعندما نعالج الأسباب، ستتراجع النتائج تلقائياً. وهذه ليست مجرد قاعدة اقتصادية، ولكنها أيضًا أقصر الطرق إلى معابر أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر استقرارًا، وحياة أكثر كرامة للمواطن الفلسطيني.*د. نبيل كوكالي هو رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي، وباحث متخصص في استطلاعات الرأي العام والبحوث الاجتماعية والاقتصادية. يتمتع بخبرة تزيد عن ثلاثة عقود في تصميم وتنفيذ الدراسات الميدانية في فلسطين والشرق الأوسط.




