اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 14:45:00
حصرياً من المركز الفلسطيني للإعلام: عندما يدور الحديث عن مستقبل إعادة إعمار غزة، فالمسألة ليست مجرد خرائط هندسية أو ملموسة، بل مسألة سياسية وأخلاقية من الدرجة الأولى: من يملك القرار في غزة، ومن يدفع الثمن، ومن يحاول تحويل الركام إلى أداة ابتزاز جديدة ضد شعب خرج من المجازر أكثر التزاماً بأرضه وحقوقه. إعادة الإعمار هنا هي ساحة للصراع على السيادة والسرد والوجود. إن مستقبل إعادة إعمار غزة ليس مسألة فنية. غزة لا تحتاج إلى من يشرح لها حجم الدمار. الأحياء الممحاة، والمستشفيات المستهدفة، والمدارس المهدمة، وشبكات المياه والكهرباء التي تستهدفها قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل ممنهج، كلها تجعل أي حديث عن إعادة الإعمار يرتبط بشكل مباشر بجريمة التدمير نفسها. وعلى هذا فإن مستقبل إعادة إعمار غزة يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها: فما حدث لم يكن كارثة طبيعية، بل كان عدواناً إسرائيلياً منظماً وإبادة جماعية استهدفت الإنسانية والهندسة المعمارية وضروريات البقاء. هذه النقطة ليست تفصيلا لغويا. عندما يتم تقديم إعادة الإعمار كقضية إنسانية مجردة، فغالبًا ما يتم فصلها عن المسؤولية السياسية والقانونية. فيصبح المانحون في مقام المكرم، ويدفع الفلسطيني إلى مقام المتلقي المشروط. والحقيقة أن إعادة البناء حق، وأن الاحتلال الذي دمر هو المسؤول الأول، وليس أن الجريمة يعاد تدويرها في تمويل مؤتمرات تنتهي بتعهدات منقوصة وآليات رقابة خانقة. من يمول ومن يقرر؟ المسألة المالية مهمة، لكنها ليست المسألة الوحيدة المهمة. وقد أظهرت التجارب السابقة في غزة أنه من الممكن تخصيص الأموال، لكن التنفيذ يعوقه إغلاق المعابر والقيود الإسرائيلية والمتطلبات السياسية الدولية. كم مرة وُعدت غزة بإعادة إعمار واسعة النطاق، ثم تعطلت المواد، وتأخر صرف الأموال، وخضعت عملية البناء لسقوف أمنية وضعها الاحتلال أو القوات المتحالفة معه؟ المشكلة هنا هي أن بعض الأطراف الدولية تريد إعادة الإعمار من دون تغيير سياسي حقيقي. يتم بناء أي منازل، ولكن الحصار لا يزال قائما. ويتم استعادة شبكات الكهرباء، لكن السيطرة على الموانئ والوقود والبحر والجو تبقى في أيدي الاحتلال. وهذا ليس إعادة إعمار مستقرة، بل إدارة مؤقتة للدمار. والنتيجة معروفة مسبقاً: جولة عدوانية جديدة ستعيد القطاع إلى المربع الأول. ولهذا السبب لا يمكن فصل التمويل عن القرارات الوطنية. وإذا تحولت أموال إعادة الإعمار إلى وسيلة لفرض ترتيبات سياسية تتجاوز الإرادة الفلسطينية، فإن العملية برمتها تصبح امتداداً للحصار بشكل آخر. لا شك أن الأموال مطلوبة، لكن الأهم أن تتم إدارتها ضمن رؤية فلسطينية تحمي الحق ولا تتنازل عنه. ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة منذ 10 أكتوبر 2025، إلا أن إسرائيل تنتهكه بشكل ممنهج، بمعدل 15-20 انتهاكا يوميا، وبمعدل 4 شهداء ونحو 20 إصابة يوميا. وبين الدعم العربي والدور الدولي، يمكن أن يكون الدعم العربي حاسماً إذا انتقل من منطق التصريحات إلى منطق الالتزام الفعلي. غزة لا تحتاج إلى مؤتمرات للمانحين فحسب، بل إلى مظلة سياسية تحمي إعادة الإعمار من التعطيل، وتمويل مستمر لا يتبخر مع أول ضغط أميركي أو إسرائيلي. كما أن الدور الدولي، مهما كان حجمه، يفقد قيمته إذا تعامل مع الفلسطينيين كحالة إغاثة دائمة وليس كشعب له حقوق وطنية. وهنا يظهر التناقض بوضوح. العديد من العواصم تتحدث عن إعادة الإعمار، لكنها تتجنب مواجهة جذور المشكلة: الاحتلال والحصار. بل إن بعض الطروحات الدولية تذهب إلى أبعد من ذلك، وتحاول ربط إعادة الإعمار بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في غزة، بعيداً عن احتياجات الناس والثوابت الفلسطينية. الحصار هو العدو الأول لأي عملية إعادة إعمار. لا توجد خطة واقعية لمستقبل غزة دون رفع الحصار بشكل كامل. وهذا ليس بيانا سياسيا للاستهلاك، بل هو واقع عملي. فكيف يمكن بناء المنازل والمستشفيات والمدارس والمصانع في منطقة لا تتمتع بحرية دخول المواد الأولية، ولا حرية الحركة، ولا ضمانات ضد الاستهداف المتكرر؟ كيف يمكن إحياء اقتصاد محاصر ومياهه ملوثة وكهرباء مقطوعة وحدوده خاضعة لقرارات الاحتلال؟ إن إعادة الإعمار الحقيقية لا تعني فقط ترميم ما تم تدميره، بل بناء قدرة المجتمع على الاستمرار. ويشمل ذلك الإسكان والرعاية الصحية والتعليم والطرق وشبكات الصرف الصحي والاتصالات والاقتصاد المحلي ودعم الصيادين والمزارعين وأصحاب الورش والشركات الصغيرة. وإذا ظلت هذه القطاعات مرهونة بمزاج الاحتلال، فإن ما يُبنى اليوم قد يتحول غداً إلى ركام. ومن هنا فإن رفع الحصار ليس مطلباً موازياً لإعادة الإعمار، بل هو شرطه الأساسي. وبدون هذا الشرط ستبقى غزة رهينة لمعادلة قاسية: تمويل جزئي، ثم إعادة إعمار بطيئة، ثم دمار جديد. ويعيش حتى الآن أكثر من مليوني فلسطيني في غزة في خيام مهترئة وبقايا منازل مدمرة، فيما يواصل الاحتلال منع دخول أي مواد تتعلق بإعادة الإعمار وتحسين الحياة اليومية. إعادة الإعمار والمعركة من أجل السيادة الفلسطينية هناك بعد آخر لا يقل خطورة، وهو محاولة استخدام إعادة الإعمار لإنتاج وصاية سياسية على غزة. بعض المشاريع المطروحة من وراء الكواليس تتحدث لغة الإدارة الفنية، لكنها تخفي تصورات أعمق تتعلق بمن يحكم، ومن يراقب، ومن يقرر أولويات الإنفاق، ومن يملك شرعية التمثيل. كل ذلك يعني أن ملف إعادة الإعمار قد يصبح مدخلاً لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بما يتناسب مع الحسابات الإقليمية والدولية. من حق الفلسطينيين أن يختلفوا داخلياً حول الإدارة والتمثيل والأولويات، لكن لا يحق لأي طرف خارجي أن يحول معاناة الناس إلى فرصة لفرض ترتيبات أعلى. غزة ليست أرضاً بلا بشر، وليست مساحة يمكن إدارتها عن بعد. إن شعبها، الذي ثابر تحت النار، له الحق الأول في تقرير شكل ومسار التعافي. ما الذي ينبغي أن تكون مدفوعة بالأولويات؟ الأولوية الأولى هي إيواء الناس بسرعة وبكرامة، لأن استمرار النزوح يعني جرحًا مفتوحًا. ثم يأتي بعد ذلك إعادة المستشفيات والمدارس والبنية التحتية إلى عملها، لأن المجتمع لا يعيش على المساعدات الطارئة وحدها. لكن كل هذا يجب أن يتم ضمن رؤية تتجاوز الإغاثة المؤقتة، رؤية تعيد ربط إعادة الإعمار بالاقتصاد والإنتاج وحرية الحركة. غزة لا تحتاج إلى مدينة خيام طويلة الأمد، ولا إلى حلول مؤقتة يتم تسويقها على أنها إنجاز. لقد علمت التجربة الفلسطينية الناس أن المؤقت قد يتحول إلى دائم إذا غابت الإرادة السياسية. ولذلك فإن أي خطة جدية يجب أن تتناول السكن الدائم وفرص العمل واستعادة دورة الحياة المدنية، وليس فقط توزيع المساعدات. ماذا يعني المستقبل حقا؟ والحديث عن المستقبل هنا يجب أن يكون واقعياً وحازماً في نفس الوقت. نعم حجم الدمار هائل، وإعادة البناء ستتطلب سنوات وأموال ضخمة وخبرة هندسية وإدارية واسعة. لكن العائق الأكبر لا يكمن في قدرة الفلسطينيين على التقدم، بل في البيئة السياسية التي تقيد هذا التقدم. لقد أثبت الفلسطيني مرارا وتكرارا أنه قادر على إعادة بناء بيته ومدرسته وشارعه، لكن ما يهدد هذا الجهد هو استمرار العدوان ونظام الحصار والتجويع. ولذلك فإن مستقبل إعادة إعمار غزة لا يقاس فقط بعدد الأبراج التي ستقام أو الشوارع التي سيتم تعبيدها، بل بمدى قدرة الفلسطينيين على كسر الحلقة التي تربط بين الدمار والإعمار والدمار مرة أخرى. وإذا ظلت غزة مكشوفة عسكرياً، ومحاصرة اقتصادياً، ومستهدفة سياسياً، فلن يكون هناك مستقبل مستقر، مهما كان حجم الوعود. ومن ناحية أخرى، إذا تم فرض وقف حقيقي للعدوان، ورفع الحصار، وتقديم الضمانات بعدم تعطيل المواد والمشاريع، وإدارة الملف بإرادة فلسطينية واضحة، فستتمكن غزة من استعادة جزء كبير من حياتها. ليس بسرعة سحرية، وليس بالمجان، لكنه يمكن أن يتحول من منطقة إنقاذ عاجل إلى منطقة مرونة منظمة وتعافي تدريجي. مسؤولية الإعلام والرواية في معركة إعادة الإعمار لا تقتصر على الأرض فحسب، بل على اللغة أيضاً. عندما تتحول غزة إلى صور الدمار وحدها، يحجب وجهها الآخر: مجتمع حي، متعلم، شاب، صاحب تجارب ومبادرات وذاكرة نضالية طويلة. وعلى الإعلام المنحاز للحقيقة أن يفضح من هدم، ويتابع من مماطل، ويفتح المجال أمام الصوت الفلسطيني لتحديد الأولويات، لا أن يترك المسرح للخطاب الدولي البارد. وهنا تأتي أهمية المنصات التي حافظت على هذا الخط منذ سنوات، ومن بينها المركز الفلسطيني للإعلام، في تأكيد الرواية التي تقول إن إعادة الإعمار ليست منة من أحد، بل هي حق شعب دفع بثبات وحده تقريبا تكلفة التشبث بأرضه. وهذا البعد الأخلاقي والسياسي ليس زينة بلاغية، بل هو عنصر أساسي في منع سرقة المعنى من تحت الركام. بين الواقعية والثبات، من السهل طرح شعارات كبيرة، ومن السهل أيضاً الاستسلام للغة الأرقام واللجان والآليات. لكن الطريق الأكثر فعالية يقع بين أمرين: الواقعية التي تعرف حجم التحدي، والصمود الذي يرفض تحويل هذا التحدي إلى أداة للابتزاز. ستحتاج غزة إلى إسكان عاجل، واستئناف الخدمات، وإدارة فعالة وشفافة، ودعم عربي وإسلامي ودولي واسع. هذا كله صحيح. لكن الأصح أن أي طريق لا ينتهي إلى حرية الناس وفك الحصار وحماية حقوقهم السياسية سيبقى طريقا ناقصا. الرهان الحقيقي ليس على سخاء المانحين، بل على صلابة الحق الفلسطيني وقدرة الشعب على فرض مكانه في المعادلة. كل حجر سيعود إلى مكانه يحمل هذه الحقيقة: أن غزة لم تبنى بالإسمنت فقط، بل بإرادة أبت أن تنكسر، وبوعي يحرس إعادة الإعمار من أن يتحول إلى صفقة على حساب الدم والكرامة.




