اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-25 11:24:00
خاص – المركز الإعلامي الفلسطيني لم يكن إعادة فتح مستوطنة صانور مرتبطاً ببضعة مباني تقف على تلة معزولة شمال الضفة الغربية. بل جاءت كخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن ما تم إخلاؤه تحت ضغط الحسابات السابقة يمكن إعادة فرضه اليوم بقوة السلاح وفرض الحقائق على الأرض. لذلك، لا يُقرأ سانور كأخبار محلية تتعلق بجنين وحدها، بل كعنوان مكثف لمرحلة إسرائيلية أكثر عدوانية، تسعى إلى تحويل الاستيطان من سياسة التوسع التدريجي إلى مشروع علني لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، من خلال السيطرة والعزل وتقطيع أوصال الأرض المحتلة. ولا يمكن فصل صانور عن الموجة الأوسع للاقتحام الاستيطاني الصهيوني، إذ صادقت سلطات الاحتلال خلال العام 2025 على بناء أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، وهو رقم غير مسبوق خلال عام واحد. وقبل عامين شهدت الضفة الغربية والقدس تصعيدا استيطانيا غير مسبوق، تزامنا مع تسجيل 8691 اعتداء للمستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. وخلال الفترة ذاتها، تسارعت وتيرة المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، إضافة إلى الإعلان عن عشرات آلاف الدونمات “أراضي دولة”، منها أكثر من 26 ألف دونم تم الإعلان عنها منذ نهاية 2022، وهي مساحة تعادل نحو نصف ما صادرته هذه الأداة منذ اتفاقات أوسلو. إن إعادة فتح مستوطنة سانور هو مؤشر. وتقع صانور جنوب مدينة جنين، في موقع يطل على بيئة فلسطينية حساسة تضم بلدات وقرى متصلة بشبكة من الطرق الزراعية والمعيشية الأساسية. وكانت المستوطنة واحدة من أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية تم إخلاؤها في عام 2005 كجزء من ما يسمى بخطة “فك الارتباط”، إلى جانب حومش وكاديم وغانم. واليوم تعود سانور إلى الواجهة لأن حركة الاستيطان الصهيونية لم تتعامل قط مع إخلائها كقرار نهائي. بل على العكس من ذلك، ظل ينظر إلى تلك الخطوة باعتبارها “خطأ” ينبغي التراجع عنه. ومن هنا خطورة الحديث عن إعادة فتح مستوطنة سانور، لأنه يكشف عن إصرار منظم على تقويض أي معنى حتى للقرارات الإسرائيلية السابقة إذا تعارضت مع مشروع الضم والتوسع. وقبل تفكيكها عام 2005، كانت سانور تضم نحو 43 عائلة مستوطنة، أي أكثر من 100 مستوطن، ما يجعل من إحيائها اليوم رسالة سياسية تتجاوز حجمها الديمغرافي الفعلي. لماذا الآن؟ إن الحكومة الإسرائيلية الحالية تمثل النسخة الأكثر تطرفاً ووضوحاً في تبني أجندة المستوطنين. بل إن اليمين الصهيوني المتطرف هو الذي يحكم ويتحكم في قرارات الاحتلال اليوم. وما كان يحصل سابقاً بشكل تدريجي، أو تحت غطاء أمني وقانوني غامض، أصبح يطرح الآن ضمن مشروع الضم والتهجير. وفي هذا السياق، تتحول المواقع التي تم إخلاؤها في شمال الضفة الغربية إلى هدف سهل نسبيا للحركة الاستيطانية التي تريد تأسيس معادلة بسيطة: لا انسحاب من الأراضي المحتلة، ولا تجميد لمشروع استعماري استيطاني يرى في كل شبر من الضفة الغربية ساحة مفتوحة للسيطرة. ولا يمكن فصل إعادة فتح صانور عن مشروع يقوم على عزل المحافظات الفلسطينية عن بعضها البعض، وتحويلها إلى كانتونات محاصرة ضمن مناطق جغرافية منفصلة. ولذلك فإن الخطوات الاستيطانية يصاحبها تكثيف للاقتحامات وتوسيع الحواجز الأمنية وإقامة أحزمة استيطانية تتحكم في الطرق والحركة والوصول إلى الأراضي. والاستيطان في هذا السياق ليس حيا سكنيا، بل هو نقطة سيطرة عسكرية وأداة سياسية لفرض حقائق دائمة. يكشف نظام الحواجز المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية عن طبيعة السيطرة التي يفرضها الاحتلال على الحياة الفلسطينية اليومية. وبحسب آخر تحديث لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادر في أبريل 2026، تم توثيق ما لا يقل عن 925 حاجزًا صهيونيًا، مما أدى إلى عزل الضفة الغربية عن بعضها البعض، ويؤدي إلى إذلال يومي محسوب على أساس العدوان والقتل والإساءة والانتظار والتفتيش والمنع التعسفي وتعطيل العلاج والتعليم والعمل. وهي بنية استعمارية تدار بالإسمنت والبوابات والسلاح، هدفها تحويل الأرض المحتلة إلى جزر محاصرة يسهل السيطرة على سكانها وخنق مستقبلهم. ماذا تريد إسرائيل أن تحقق من سانور؟ الهدف الأول هو إقامة وجود استيطاني جديد وقديم في المنطقة التي طُرد منها المستوطنون سابقًا. وهذا في حد ذاته يحمل بعدا رمزيا كبيرا، لأن العودة إلى سانور تعني عمليا إلغاء فكرة إمكانية تفكيك المستوطنات تحت أي ضغط سياسي أو ميداني. الهدف الثاني هو السيطرة على المرتفعات ومفاصل الطرق. الاستيطان في الضفة الغربية لا يبنى عشوائيا، بل وفق منطق السيطرة على الأرض من فوق، وقطع الاتصال بين القرى والبلدات الفلسطينية، وجعل أي نمو عمراني أو زراعي فلسطيني محاصرا بالمراقبة والتهديدات. الهدف الثالث هو اختبار ردود الفعل. وتعلم إسرائيل أن إحياء المستوطنات التي تم إخلاؤها في شمال الضفة الغربية ستقابل برفض فلسطيني واسع النطاق، لكنها في الوقت نفسه تختبر حدود الموقف الدولي ومدى قدرة الشارع الفلسطيني على فرض تكاليف سياسية وميدانية على هذا المسار. إذا تعرض ملف سنور لأقل قدر من الضغط، فإنه سيصبح نموذجا يمكن تكراره في مواقع أخرى. التأثير المباشر على القرى الفلسطينية: أي حديث عن إعادة فتح مستوطنة سانور يعني عملياً فرض قيود جديدة على الفلسطينيين في محيطها. وتؤكد تجربة الاستيطان في مختلف أنحاء الضفة الغربية النمط نفسه: تبدأ القصة بنقطة استيطان أو عودة رمزية، ثم تتبعها الطرق العسكرية، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، ومن ثم فرض حقائق يصعب عكسها مع مرور الوقت. ستواجه القرى المحيطة تهديدًا مزدوجًا. فمن ناحية، هناك خطر مصادرة الأراضي أو منع استخدامها بذرائع أمنية. في المقابل، هناك تحول الحياة اليومية إلى طريق من الإرهاق: حواجز وعمليات تفتيش وإغلاقات مفاجئة واعتداءات موسمية تتكرر في مواسم الزيتون والحصاد والرعي. وهذه ليست آثاراً جانبية، بل هي جزء أصيل من وظيفة الاستيطان كأداة لطرد الفلسطيني تدريجياً من أرضه. كما تتمتع المنطقة الجنوبية من مدينة جنين بحساسية خاصة لارتباطها بمجال زراعي وبيولوجي واسع. وأي تركز استيطاني هناك سيؤثر على الحركة الداخلية بين المدن، وقدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم، والشعور العام بالأمن في بيئة تعمل فيها بنادق المستوطنين في كثير من الأحيان تحت حماية جيش الاحتلال، وليس ببعيد عنه. وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد شهد عام 2025 توثيق نحو 1680 اعتداء نفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، أسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات، وهو من أعلى المعدلات منذ بدء المراقبة الأممية. ومع بداية عام 2026، استمر التصعيد بوتيرة مرتفعة، إذ سُجل حتى أوائل أبريل/نيسان أكثر من 580 اعتداءً جديداً في أكثر من 190 تجمعاً فلسطينياً، شملت عمليات إطلاق نار، وحرق منازل ومركبات، وتدمير أراضي زراعية، وتهجير قسري للأهالي من مناطق ريفية واسعة. بين القانون الإسرائيلي والقانون الدولي، تحاول الحكومات الإسرائيلية عادة تغطية خطواتها الاستيطانية بطبقات من القرارات الإدارية والقوانين المحلية. لكن هذه الصيغ لا تغير حقيقة أساسية: الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني وفقا للقانون الدولي. والمفارقة هنا أن إسرائيل كثيراً ما تستخدم قانونها الداخلي لتحدي الشرعية الدولية، ثم تعرض هذا التحدي باعتباره مسألة تنظيم إداري أو نقاش حزبي داخلي. وفي حالة صانور، يظهر بوضوح كيف يتم استخدام التشريعات الإسرائيلية لخدمة مشروع استعماري. وبدلا من استخدام القانون لتقييد اعتداءات المستوطنين أو وقف مصادرة الأراضي، يتحول إلى أداة لتوسيع السيطرة والعدوان. وهذا هو جوهر القضية: نحن لسنا أمام نزاع عقاري، بل نحن أمام بنية احتلالية تنتج قوانينها الخاصة لتثبيت نتائج القوة. ماذا يكشف سانور عن المرحلة الحالية؟ إن إعادة فتح مستوطنة سانور تكشف، أولاً، أن حكومة الاحتلال لم تعد تخفي توجهها نحو الضم الزاحف. الحديث عن «الحل السياسي» أو «إدارة الصراع» لم يعد قادراً حتى على تغطية ما يجري. هناك مشروع يريد تسوية الجغرافيا لصالح المستوطنين، ودفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري الناجم عن العدوان الصهيوني المستمر على كافة مناحي الحياة، أو تركهم للعيش في جزر معزولة تتعرض للغارات والمراقبة والعقاب الجماعي المستمر. ويكشف أن اليمين الاستيطاني يشعر أن لحظته السياسية مواتية. وهي تتحرك بثقة أكبر، بدعم من الخطاب الديني والقومي المتطرف، والغطاء الحكومي المباشر، والضعف الواضح في المساءلة الدولية. هل تم تسوية المسار؟ ليس تماما. صحيح أن موازين القوى على الأرض تميل لصالح الاحتلال، لكن التجربة الفلسطينية تؤكد أن فرض الحقائق لا يعني تثبيتها بشكل دائم. تعثرت العديد من المشاريع الاستيطانية أو تأخرت أو تحولت إلى بؤر اشتعال دائمة، بسبب صمود الشعب وتمسكه بالأرض، والعمل القانوني والإعلامي، والضغط الشعبي المستمر، بالإضافة إلى كافة أشكال العمل المقاوم. ولكن من الخطأ أيضاً أن نقلل من خطورة اللحظة. وتستفيد إسرائيل من خلق حالة من الفوضى الكبرى على المستوى العالمي، ومن اغتيال النظام الدولي، وتقديم المستوطنات كقضية ثانوية مقارنة بقضايا الحرب والأمن الإقليمي. كيف ينبغي قراءة الموقف الفلسطيني؟ إن القراءة الفلسطينية الجادة لهذا الملف يجب أن تنطلق من أن المستوطنات ليست ملفاً تفاوضياً مؤجلاً، بل هي اعتداء يومي على الوجود الوطني. إعادة فتح مستوطنة تم إخلاؤها سابقاً تعني أن الاحتلال يرفع السقف إلى مستوى جديد: فهو لا يكتفي بما صادره، بل يعود إلى ما تم إخلاؤه ليعيد احتلاله بطريقة أكثر وقاحة. وهو ما يفرض التعامل مع الاستيطان كساحة مستمرة للصدامات السياسية والإعلامية والشعبية. والمطلوب ليس فقط توثيق الخطر، بل كشف منطقه كاملا: تحويل المستوطن إلى صاحب حق، والفلسطيني إلى مدعى عليه على أرضه. ويبقى إبراز تأثير هذه الخطوات على حياة الناس اليومية جزءا أساسيا من المواجهة، لأن الاستيطان ينجح عندما يقتصر على الخرائط والأرقام، بينما هو في الواقع عدوان مباشر على الناس والأماكن والذاكرة. وبعد نجاح هذا المسار الاستيطاني، فإن نجاح هذا المسار الاستيطاني سيشجع المستوطنين على المطالبة بالمزيد، لأن منطق الحركة الاستيطانية يقوم على التراكم وليس الاكتفاء. كل بؤرة استيطانية تتحول إلى نقطة انطلاق إلى بؤرة استيطانية أخرى، وكل طريق عسكري يتحول فيما بعد إلى ممر استيطاني، وكل منع مؤقت للفلسطينيين من أراضيهم يراد منه أن يصبح واقعا دائما. ولذلك فإن صانور ليس مجرد اسم يرد في الأخبار، بل هو إنذار مبكر لما مخطط له في شمال الضفة الغربية برمته. الرد الأكثر فعالية يبدأ بإثبات الحقيقة كما هي: هذه أرض فلسطينية، والاستيطان عليها عدوان، مهما تغيرت الصيغ القانونية وتغيرت الحكومات. وما يُفرض بالقوة يبقى مفتوحاً للمقاومة بكل أشكالها وصمودها، وطالما أن أصحاب الأرض متمسكون بحقوقهم فلا يمكن اقتلاعهم.



