اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-21 16:38:00
مركز المعلومات الفلسطيني في غزة، لا يبدو أن الإخلاء القسري هو حدث طارئ يُقرأ في سياق عسكري محدود. بل تتحول مع كل موجة جديدة إلى لحظة انهيار شامل للحياة اليومية، وإعادة ضبط قسري لحياة الناس على إيقاع الخوف والتهجير الدائم. ومع تكرار أوامر الإخلاء التي أصدرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في أكثر من منطقة داخل قطاع غزة، تتجدد مشاهد التهجير التي أصبحت جزءا ثابتا من المشهد الفلسطيني، ليس استثناء، بل كحالة مستمرة تتكرر كلما اتسعت دائرة القصف والتصعيد. وأشار المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى أن باحثيه رصدوا عودة الاحتلال في الأيام الأخيرة إلى سياسة قصف المنازل أو أماكن النزوح، بعد الاتصال بعدد من سكان الأماكن المستهدفة لإخلائهم. ويؤكد المركز أن المكالمات الهاتفية أو أوامر الإخلاء التي تصدرها قوات الاحتلال قبل تنفيذ هجماتها لا تعفيها من المسؤولية القانونية، كما أنها لا تضفي أي شرعية على استهداف الأعيان المدنية. وتشير إلى أن هذه الإجراءات تؤكد أن قوات الاحتلال لديها علم مسبق بتواجد المدنيين وطبيعة المناطق المستهدفة والآثار المتوقعة لهجماتها، ما يجعل استخدامها كأداة للتحضير لعمليات الدمار الشامل والترهيب انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني. لحظات فاصلة في منطقة الكتيبة وسط خانيونس. ويصف السكان اللحظات الأولى لوصول التحذيرات من قوات الاحتلال قبل عدة أيام بأنها لحظات فاصلة بين شكلين من الحياة: الحياة قبل الإخلاء، والحياة بعده. بضع دقائق كافية لتحويل الشوارع إلى ممرات مرورية كثيفة، والمنازل إلى نقاط عبور سريعة، والأحياء إلى مناطق مغادرة جماعية. ويقول محمود الخطيب، أحد سكان حي الكتيبة: “نحن لا نخرج فقط، بل نقتلع في كل مرة، المشكلة ليست في الرحيل، بل في تكراره دون نهاية واضحة”. ويضيف أن أصعب ما يرافق لحظة الإخلاء ليس الخوف من القصف فحسب، بل الشعور الدائم بأن كل ما يحاول الناس ترميمه قد ينهار مرة أخرى خلال دقائق، لتبدأ رحلة نزوح جديدة فوق ما تبقى من تعب الحرب. وعادة ما يتم تنفيذ أمر إخلاء محدد لمنزل أو مناطق محدودة عن طريق الاتصال بواحد أو عدد من السكان من قوات الاحتلال ومطالبتهم بإخلاء المنطقة، وعادة ما يكون ذلك خلال فترة زمنية محدودة، مما لا يمكنهم من أخذ أي شيء من ممتلكاتهم. نزوح يتكرر حتى يتآكل الإحساس بالمكان. ومع تكرار النزوح، لم نعد نتحدث عن الانتقال من مكان إلى آخر، بل عن الفقدان التدريجي لفكرة “المكان المستقر”. نزحت عائلات كثيرة أكثر من مرة خلال الحرب، من حي إلى آخر، ومن مدينة إلى مخيم، حتى أصبح البيت فكرة مؤجلة أكثر من كونه واقعاً ملموساً. تقول ميساء الفرا: «في كل مرة نخرج نقول يمكن هذا الأخير، لكن لا شيء ينتهي». لقد بدأنا من جديد في ظروف أسوأ من التي سبقتها.” وهذا التكرار المستمر لا يخلق ضغوطا إنسانية مباشرة فحسب، بل يؤدي أيضا إلى حالة من الإرهاق النفسي الجماعي، حيث يصبح الاستيطان استثناء نادرا، في حين يصبح التهجير القسري هو القاعدة اليومية لسكان القطاع. لحظة الإخلاء.. زمن يتقلص إلى دقائق. في اللحظة التي تصدر فيها أوامر الإخلاء أو التحذيرات، يتغير إيقاع الحياة بأكمله. الوقت يتقلص، والقرارات تصبح فورية، ولا يوجد مجال للتفكير أو التخطيط الطويل. يتم تحديد كل شيء في غضون دقائق: ما الذي يمكن حمله؟ أين يمكنني الذهاب؟ ومن سيبقى؟ ما الذي يمكن تركه خلف الأبواب المغلقة؟ ويصف محمود مغاري، من مخيم البريج، تلك اللحظة بالقول: “كل شيء يتوقف فجأة، لا تفكر إلى أين أنت ذاهب، فقط تحاول الخروج من المكان قبل أن يتحول إلى خطر”. ويضيف: “الأصعب ليس الرحيل، بل الشعور بأنك لا تعرف إن كانت هناك عودة أصلا”. وبناء على تجارب الإخلاء والتهجير المتكررة منذ بداية حرب الإبادة وفي الاعتداءات السابقة، أصبح لكل فرد في غزة الآن جيبه الخاص الذي يحمل الوثائق وما هو أخف من لحظة الإخلاء التي قد تأتي فجأة. بين الخيام والطرقات.. حياة مؤقتة لا أفق لها. وبعد الإخلاء، تبدأ مرحلة أخرى، لا تقل قسوة، وهي الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء، أو نصب الخيام في مناطق مفتوحة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. وفي هذه المساحات الضيقة تتغير تفاصيل الحياة اليومية تماماً. ويصبح الماء تحدياً يومياً، والطعام محدوداً، والخصوصية تكاد تكون معدومة، فيما يصبح الأطفال الفئة الأكثر تأثراً بهذا الواقع، حيث تتشكل ذكرياتهم على أصوات التحذيرات والانفجارات بدلاً من أصوات المدارس والحياة الطبيعية. ومع مرور الوقت، لم يعد النزوح حالة مؤقتة مرتبطة بالنجاة من القصف، بل يتحول إلى أسلوب حياة مفتوح على مزيد من الغموض وعدم اليقين. على مدى 31 شهرا من عدوانها العسكري المتواصل على قطاع غزة، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 80% من منازل القطاع، مما اضطر مئات الآلاف من المواطنين إلى النزوح إلى مراكز الإيواء أو الإقامة في خيام متهالكة، بجوار أنقاض منازلهم، أو داخل منازل متضررة على وشك الانهيار، في ظل غياب أي بدائل سكنية آمنة. ضغط متواصل ورسائل متعددة. ويرى الكاتب والمحلل السياسي عماد زقوت أن سياسة “إخلاء الكتل السكنية” في قطاع غزة تجاوزت كونها إجراء عسكريا ميدانيا، لتتحول إلى أداة ضغط معقدة تستهدف الأشخاص والأماكن. وقال زقوت في تصريحات خاصة للمركز الفلسطيني للإعلام، إن الاحتلال يستخدم هذه السياسة بهدف “التضييق على السكان وإزعاج حياتهم”، لافتا إلى أن أوامر الإخلاء غالبا ما ترتبط بعمليات قصف واسعة النطاق وعنيفة تؤدي إلى تدمير ساحات سكنية بأكملها، وما يتبعها من موجات تهجير وتهجير جديدة يعيشها سكان غزة بشكل متكرر. ويضيف أن عمليات الإخلاء المتكررة لا تعكس تصعيدًا عسكريًا فحسب، بل هي محاولة لفرض واقع جديد يقوم على “استمرار ضم غزة” وتوسيع المناطق الخطرة، أو ما أصبح يعرف بـ”المنطقة الصفراء”، مما يفقد السكان القدرة على الاستقرار أو إعادة بناء حياتهم الطبيعية. وبحسب زقوت، فإن أخطر ما في هذه السياسة لا يكمن فقط في الخسائر المادية المباشرة، بل أيضًا في الأثر النفسي والاجتماعي العميق الناجم عن التهجير المتكرر، حيث تتحول حالة الطوارئ إلى واقع دائم، ويصبح الاستقرار استثناءً نادرًا في حياة الأسر الفلسطينية. ويواصل أن الاحتلال يستخدم أيضًا عمليات الإخلاء هذه كورقة ضغط سياسية على حركة حماس، في محاولة لدفعها نحو “الخضوع لمطالب الاحتلال”، بالإضافة إلى استخدامها كرسائل متعددة الاتجاهات موجهة إلى الوسطاء والولايات المتحدة، وتحمل مؤشرات على استعداد إسرائيل للتوجه نحو حرب أوسع وأكثر عنفًا. ويشير أيضًا إلى أن هناك أبعادًا إسرائيلية داخلية لهذه السياسات، في ظل تصاعد الحديث عن حسابات سياسية وانتخابية داخل إسرائيل، معتبرا أن «غزة ستكون جزءًا من المزايدات السياسية خلال المرحلة المقبلة». ويختتم زقوت بالقول إن استمرار هذا النمط من الإخلاء لا يعيد تشكيل الجغرافيا فحسب، بل يعيد تشكيل الإنسان الفلسطيني نفسيًا واجتماعيًا، من خلال الاقتلاع المتكرر الذي يبدد الإحساس بالمكان والانتماء، ويجعل من حياة التهجير واقعًا مفتوحًا بلا أفق واضح. وبحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان؛ إن عودة قوات الاحتلال المكثفة لاستهداف المنازل المتضررة جزئياً، أو الأجزاء التي اضطر السكان إلى ترميمها بوسائل بدائية، تعكس نية واضحة لاستكمال تدمير البيئة السكنية في قطاع غزة، وفرض واقع معيشي كارثي يدفع السكان نحو مزيد من التهجير والمعاناة. كما تعكس هذه الهجمات نهجًا قائمًا على الترهيب الجماعي، وتوسيع دائرة الحرمان، وتعميق الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها المدنيون في القطاع. ويؤكد أنه منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر وحتى اليوم، تواصل إسرائيل فرض حقائق وسياسات ميدانية تدفع نحو تحويل قطاع غزة إلى بيئة طاردة للسكان وظروف معيشية غير مستدامة، من خلال الدمار الواسع النطاق والقيود الصارمة والسيطرة العسكرية على مناطق واسعة من القطاع، بالإضافة إلى استمرار القصف والقتل اليومي.



