اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-25 15:29:00
كاتب وصحفي، عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين، شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية. الأوطان لا تموت عندما تحتل، بل تموت عندما يفقد أبناؤها الإيمان بأنها تستحق أن تُعاش وتُصان. أما فلسطين، فمنذ كتبت السطر الأول في كتاب التاريخ، لم تفقد إيمانها لحظة واحدة. وتعاقبت الإمبراطوريات، وتبدلت فوقها الأعلام، ومرت الغزاة مثل السحب التي تمر فوق قمم الجبال. يترك ظلاً عابراً ثم يمضي، ويبقى الجبل في مكانه شامخاً، لا يساوم الريح ولا ينحني للعاصفة. هكذا كانت فلسطين دائمًا؛ ليس لأنها لم تعرف الألم، بل لأنها عرفت كيف تحول الألم إلى صبر، والصبر إلى بقاء، والبقاء إلى وعد شعب أحب أرضه حتى أصبحت جزءا من ترابه، وأصبحت جزءا من روحه. وفي بلدة التل غرب نابلس، عادت الأرض لكتابة وصيتها بدماء أربعة من خيرة أبنائها. قام الشهيد الشيخ فاروق رمضان، ونهض معه ثلاثة من أهل البلدة، لكنهم لم يغادروا فلسطين. بل عادوا إليها كما يعود المخلصون إلى أوطانهم. اختلطت دماءهم بترابها، وكأن الأرض تسترد أبنائها لتقول إن الكرامة لا تحفظ بالكلمات وحدها، بل بالثبات على الأرض والإيمان بعدالة القضية. وفي فلسطين، الاستشهاد ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد منها. كل شهيد يترك وراءه سؤالاً أكبر من موته: ماذا سيفعل الأحياء بكل هذه الدماء الطاهرة؟ فهل سيكتفون بالبكاء، أم سيحولون الخسارة إلى قوة، والألم إلى وعي، والتضحية إلى مشروع وطني يليق بمن رحلوا؟ لقد تعلم الفلسطيني، على مدى عقود طويلة، أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي ذاكرة وهوية وامتداد للوجود الإنساني. إنها ذاكرة الأجداد، وملعب الطفولة، ورائحة الخبز في الصباح، وأغنية الأم، والأذان من المسجد، وأجراس الكنيسة، وظل شجرة الزيتون التي تعرف أسماء من زرعها كما تعرف الأم أسماء أبنائها. لذلك، من يظن أن القوة تستطيع اقتلاع الفلسطيني من أرضه، لا يعلم أن الإنسان قد يبتعد عن المكان، لكن المكان لا يغادر قلب صاحبه أبداً. الأرض ليست ما نقف عليه، بل ما يقف في داخلنا؛ عندما تصبح الأرض إيماناً بالضمير، يصبح اقتلاع الإنسان منها أصعب من اقتلاع الجبال من جذورها. إن الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها الفلسطينيون في قراهم وبلداتهم، وما يصاحبها من عنف يرتكبه المستوطنون ضد المدنيين، أصبحت جرحا مفتوحا في الضمير الإنساني. ولا يهدد هذا العنف الأفراد فحسب، بل يستهدف أيضا مكونات الحياة اليومية، من المنازل والأراضي الزراعية إلى مصادر العيش والاستقرار، ويقوض فرص التوصل إلى سلام عادل يقوم على احترام الحقوق وسيادة القانون. وفي خضم هذه الحقائق، لا يجوز تجاهل المبادئ التي أرستها الشرائع السماوية، والتي جعلت حماية النفس والأموال والعرض والأرض من أسمى أهداف العدالة. كما يكرس القانون الدولي حق الشعوب في تقرير المصير، ويتطلب حماية السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، ويفرض التزامات واضحة على سلطة الاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد القانون الإنساني الدولي. ومن ناحية أخرى، تعتبر المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية بموجب القانون الدولي، وهو ما أكدته القرارات المتعاقبة الصادرة عن الأمم المتحدة والآراء القانونية الدولية المحترمة. ولذلك فإن حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، والحفاظ على حقهم في البقاء في قراهم ومنازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، والتصدي قانونيا لكافة أشكال التهجير القسري والاستيلاء غير القانوني على الممتلكات، ليست مطالب سياسية فحسب، بل هي حقوق قانونية وإنسانية أصيلة، يقتضي القانون الدولي احترامها وإنفاذها، كما أنها تمثل التزاما أخلاقيا يقع على عاتق المجتمع الدولي. إن الوفاء للشهداء لا يقاس بعدد الخطب، بل بمقدار ما نبنيه فوق تضحياتهم. الشيخ فاروق رمضان ورفاقه لم يتركوا فينا الحزن، بل أورثونا المسؤولية. المسؤولية هي أن تبقى فلسطين حاضرة في الوعي كما هي حاضرة في القلب، وأن تتحول كل تضحية إلى لبنة في بناء المستقبل، وليس إلى ذكرى عابرة تستدعيها المناسبات. فلسطين تحتاج إلى ميثاق وطني للصمود يجعل الإنسان محور القضية، ويحمي القرى المستهدفة، ويدعم المزارعين، ويرعى أسر الضحايا والجرحى، ويعزز بقاء الفلسطيني على أرضه، لأن البقاء بحد ذاته أصبح فعل صمود، ورسالة تقول إن صاحب الأرض لا يتنازل عن حقه مهما صعب الأمر. المحن. وبنفس القدر فإن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة البقاء. فكم من حقائق ضاعت لأنه لم يراها أحد بالشكل الصحيح، وكم من روايات متنافسة تغلبت على الحقائق بسبب امتلاكها للمنابر والصور والكلمات. إن الرواية الفلسطينية تستحق أن تبنى بالوثائق والصور والشهادات والأبحاث والعمل الصحفي المهني والخطاب القانوني، حتى تصل إلى العالم كما هي. قصة شعب متمسك بحقوقه ويؤمن بأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ. لقد أثبت التاريخ أن الإنسان لا يقاس بما يملك من قوة، بل بقدرته على التحمل، والإيمان الذي يغرسه في ضمير أبنائه، بأن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل قيمة نحيا من أجلها. السلام على الشيخ فاروق رمضان. السلام على رفاقه الثلاثة الذين كتبوا بدمائهم صفحة جديدة من الوفاء لفلسطين. السلام على كل أم فلسطينية. ولا تزال تغرس في قلب طفلها حب الأرض قبل أن تعلمه أسماء المدن، فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها الإيمان والوعي والذاكرة ووحدة الشعب وعدالة القضية. سيذهب العابرون، كما ذهب كل عابر سبيل كان يظن أن التاريخ يكتب بالقوة وحدها. ستبقى فلسطين، ليس لأن الريح لم تهب عليها، بل لأنها تعلمت أن تجعل من كل عاصفة جذراً أعمق، ومن كل خسارة عزيمة جديدة، ومن كل جيل وصية للجيل القادم. الأرض لا تنسى أسماء أصحابها، والتاريخ مهما تأخر يعرف إلى أي القلوب تنتمي الأوطان.




