وطن نيوز
عندما كنت طفلاً، كنت أسمع من جدتي، التي ولدت في أوكرانيا عام 1903، عن أعمال الشغب المناهضة لليهود التي اندلعت في أعقاب الثورة الشيوعية. ذكريات الأحداث هذه رافقتها حتى آخر يوم في حياتها، ولا أنسى كيف في نهاية حياتها، عندما اختلط الماضي بالحاضر، وقفت أمام النافذة وصرخت بصوت مفجع: “تبا، تبا”. إن هذه الصرخة هي نداء استغاثة من الضحايا في كل مكان، ويتردد صداها معي اليوم على خلفية المجازر العنيفة التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. تخيل الرعب الذي يسود ليلاً ونهاراً عندما تقتحم عصابات من مثيري الشغب الأحياء السكنية مسلحين بالعصي والسكاكين، وأحياناً بسلاح ناري حصلوا عليه من الجيش، ظاهرياً لحماية أنفسهم، فيضربون ويحرقون ويدمرون وينهبون ويهينون ويقتلون. وإذا حدث شيء مماثل لليهود، فهل ستلتزم الصمت؟ يتم تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم على يد مثيري الشغب والمجرمين اليهود من المستوطنات والمزارع والبؤر الاستيطانية، الذين يهاجمونهم كل يوم دون رادع. ولا يحدث العنف في فراغ، بل غالباً ما يتم بصحبة القوات العسكرية، دون أي تدخل. لا توجد اعتقالات أو تحقيقات فعالة أو محاكمات. وتوصف هذه الأحداث بـ«الاحتكاك»، وكأنها تحدث بين طرفين متساويين، ويستمر النظام في العمل وكأنها حالات استثنائية، رغم أنها نمط متكرر. هذه ليست أحداث معزولة. فعندما يحدث العنف بشكل منتظم ومن دون تطبيق قانون أو ردع أو تغيير، فإن ذلك لا يعتبر فشلاً، بل سياسة. كانت جدتي تؤمن بأننا الأفضل، وأننا لن نتصرف أبدًا بالطريقة التي نعامل بها. عندما أتذكرها وأبي الذي ناضل من أجل إقامة الدولة، ونعتقد أننا نستحق ذلك، يمتلئني الخجل وأتساءل: هل نستحق حقًا هذه المعجزة التي ضحى من أجلها الكثيرون، وما زالوا يضحون بحياتهم؟ إن المسؤولية عما يحدث في الضفة الغربية هي مسؤولية كل فرد في الشعب الإسرائيلي. تمول الضرائب المجرمين من سكان التلال، ويسمح الناس للحكومة بالتلاعب بالجرائم ويسمحون للجيش بتمكينهم، بل وتشجيعهم في بعض الأحيان. ليست صواريخ إيران هي التي ستدمر دولة إسرائيل، بل تراجع الأخلاق في الداخل. ولن يصمد أي ادعاء بالدفاع عن النفس، خاصة ضد أنفسنا وضمائرنا. والادعاء بأنه “ليس هناك خيار آخر” هو ادعاء فارغ. العار يلطخ جبهة كل الناس. أنا متأكد من أن غالبية المواطنين الإسرائيليين ممزقة روحيا بسبب هذا العنف القبيح. لكن الأغلبية صامتة. بعضهم لا حول له ولا قوة، والبعض، مثل العديد من أصدقائي الذين احتجوا على الانقلاب، يعتقدون أن القتال على جميع الجبهات في نفس الوقت أمر مستحيل. ولكن لا تستسلموا للعجز، ولن تقوم ديمقراطية حقيقية هنا إلا إذا أوقف الشعب هذا الجنون العنيف والمتهور في الأراضي المحتلة. هذه جوانب مترابطة لنظام الطاقة نفسه، ويجب إدارة هذين المجالين بالتوازي. إن حياتنا هنا ليس لها قيمة ما لم ننجح في وقف الفظائع واقتلاع نظرة الدونية لدى الفلسطينيين، فهم بشر أدنى شأنا ولا أهمية لحياتهم. إذا واصلنا التصرف مثل الأوغاد أو سمحنا لمثيري الشغب ومؤيديهم بالتصرف على هذا النحو، فسوف نفقد المبرر الأخلاقي لوجودنا هنا. الكلمات هذه الأيام لا تهز الأنظمة، كما فعلت أيام إميل زولا وكتابه «أنا أتهم» ضد الحكومة الفرنسية التي أدانت دريفوس البريء بالخيانة. ولكن عندما يقف العشرات، أو حتى مئات الآلاف، خلف هذه الكلمات، فإنها تصبح واقعاً ويكون لها تأثير ملموس. ليس لدينا خيار سوى أن نتكاتف في صرخة جماعية، “أنا أدين” الحكومة والجيش، وهو صوت يسمع في جميع أنحاء البلاد ويهزها حتى توقف هذه الفظائع: نحن ندينكم لسماحكم بإراقة دماء الفلسطينيين الذين يعيشون تحت حكم إسرائيل في الضفة الغربية، متجاهلين العنف المستمر ضدهم ومحاولة طردهم. نحن ندينك لفشلك في تطبيق القانون والتحقيق والملاحقة القضائية، ولتحويل هذا العنف إلى روتين يومي لا رادع له. نحن نطالب باتخاذ إجراءات فورية: وقف العنف، وحماية السكان، والتحقيق مع المسؤولين ومحاكمتهم. نطلب منك أن تدرك أننا كائنات أخلاقية، ولدينا إرادة، وإرادة الحق تقول “كفى!”. الصمت تواطؤ فلا تقفوا مكتوفي الأيدي. إيريت كينان هآرتس 26/03/2026


