وطن نيوز
المشاركون في مسيرة بعنوان “في نفس القارب” للاحتجاج على اعتقال إسرائيل ومعاملتها للناشطين المشاركين في أسطول الصمود العالمي، في ميلانو، شمال إيطاليا، في 21 مايو، 2026. (AFP) جاكي خوري إن العاصفة الدولية التي أثارها تسجيل نشره وزير الأمن القومي بن غفير يتفاخر فيه بإهانة نشطاء أسطول الحرية قد كشفت مرة أخرى عن حقيقة صعبة حول الخطاب الإسرائيلي والإعلامي الرسمي: هذا الخطاب لا يرى المشكلة في الأفعال نفسها، ولكن في الكاميرا التي وثقتهم. وسارع رئيس الوزراء ووزير الخارجية ومسؤولون آخرون إلى التنصل من هذا التوثيق، ليس لأنهم صدموا من الإهانة أو الرسالة التي يحملها التوثيق المتفاخر، ولكن لأن الفيلم أساء إلى صورة إسرائيل. ومرة أخرى قيل إن هذا خطأ إعلامي، وكأن المشكلة تكمن في العلاقات العامة وليس في الواقع نفسه. وفي نهاية المطاف، ينظر الكثيرون في المؤسسة الإسرائيلية إلى نشطاء الأسطول على أنهم “إرهابيون”. ولذلك فإن المشكلة بالنسبة لهم لا تكمن في المعاملة المهينة في حد ذاتها، بل في كشف هذه المشاهد أمام العالم. وكما حدث في سدي تيمان، وظهور أدلة على سوء معاملة المعتقل الفلسطيني، فإن الصدمة العامة لم تنبع من انتفاضة أخلاقية أو انتهاك لقيم مثل حقوق الإنسان والقانون، بل من تسرب الفيديو وما نتج عنه من أضرار إعلامية. صدمة توثيق المجازر التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية لا تنبع من العنف الدموي ذاته، بل من نشر الفيديو نفسه. الأمر نفسه ينطبق على لبنان، حيث تندلع عاصفة عندما يتم تدمير تمثال للمسيح أو تخريب كنيسة بسبب مقطع فيديو. أما عشرات القرى الشيعية التي تم محوها فلا يمكن رؤيتها. وهنا بالضبط يكمن النفاق الصارخ. في السنوات الأخيرة، اتجهت إسرائيل ووسائل الإعلام الرسمية إلى التصرف وكأن الأخلاق ليست قيمة في حد ذاتها، بل هي وسيلة للتوثيق. إذا لم يكن هناك كاميرا فلا مشكلة، وإذا لم يكن هناك فيلم فيديو فيمكن رفضه أو محوه أو تجاهله. قطاع غزة يتعرض منذ عامين للقصف والتدمير والتجويع بذريعة «الرد على مجزرة 7 أكتوبر». وقُتل أكثر من 70 ألف شخص، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، وأصيب أكثر من 170 ألف شخص، ويعيش 1.7 مليون شخص في مخيمات النزوح. لقد دمرت منطقة بأكملها، وانهارت المستشفيات، وتحول التجويع إلى أسلوب حرب صارخ لا يخجل من نفسه. لم يثر أي من ذلك صدمة أو غضباً في أوساط المجتمع اليهودي الإسرائيلي، ليس بسبب جهل الناس، بل لأن معاناة الفلسطينيين ظلت بعيدة وغامضة وغير مرئية. صدمة توثيق المجازر التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية لا تنبع من العنف الدموي ذاته، بل من نشر الفيديو نفسه. الأمر نفسه ينطبق على لبنان، حيث تندلع عاصفة عندما يتم تدمير تمثال للمسيح أو تخريب كنيسة بسبب مقطع فيديو. أما عشرات القرى الشيعية التي تم محوها فلا يمكن رؤيتها. الرسالة التي ترسلها المؤسسة الإعلامية والرأي العام ليست “لا تؤذوا الأبرياء والصالحين”، بل “لا توثقوا”. استمر في التدمير والإهانة والتجويع والقمع والقتل والسحق، لكن لا تنشره على الإنترنت. لا تزود العالم بالوثائق التي تجعل من الصعب تفسير هذه الإجراءات. هذه هي النقطة الأكثر إثارة للصدمة في قضية بن جفير وأسطول الحرية. لو لم تكن هناك وثائق، ولم يتفاخر الوزير بتصرفاته ولم ينشر الفيديو، هل كان سيكون هناك غضب؟ هل سيصدق أحد ما حدث من إهانة وعنف؟ وفي “سدي تيمان” أيضاً حاولوا في البداية التشكيك في مصداقية الشهادات، حتى بدأت الصور والتسجيلات بالظهور. في نهاية المطاف، لم يعد النقاش في إسرائيل يدور منذ فترة طويلة حول حدود السلطة والأخلاق، بل حول حدود الكشف. لا يتعلق الأمر بما يجوز رؤيته، بل بما يجوز رؤيته وما يُمنع تصويره. هآرتس 24/5/2026




