وطن نيوز
د. مايكل ميلستين بينما تسعى الحكومة جاهدة إلى محو الخط الأخضر، ومحاولاتها مقارنة واقع الضفة الغربية بما كانت عليه خارج حدود عام 1967 من خلال زيادة تكامل البنية التحتية والتشريعات والتوسع الاستيطاني، تتحول المنطقة إلى “أرض خارجة عن السيادة” في أعقاب أعمال العنف غير المسبوقة التي ارتكبها اليهود ضد الفلسطينيين. وفي هذا السياق، تتعزز صورة الضفة الغربية كمنطقة ذات وجود ورؤية وقوانين وقيم مختلفة عن بقية إسرائيل، وفي نظر الكثيرين في البلاد، يتم تصويرها أيضًا على أنها كيان فئوي ذو طابع أيديولوجي متميز. ولإخفاء حقيقة أن الدافع الرئيسي لتعميق السيطرة على “يهودا والسامرة” وضم المنطقة إلى إسرائيل هو ديني بحت، يتم تقديم روايات مصممة لتسويقها للجمهور على أنها “مصلحة جماعية”. وهكذا يتم طرح “أسباب استراتيجية” مزعومة، مثل “العرب لا يفهمون إلا عندما تُنتزع أراضيهم منهم”، و”حيثما توجد مستوطنات، لا يوجد إرهاب”. ويقدم هذا المسعى على أنه تطبيق لدروس 7 أكتوبر، دون الإشارة إلى أن أبرز الداعمين له كانوا من أسباب الفشل وصناع الفكرة، ولم يتحملوا مسؤوليته، ويسعون الآن إلى تصوير أنفسهم على أنهم «إصلاحيون». ومن أبرز الحجج المطروحة اليوم أن البؤر الاستيطانية والمزارع التي تتكاثر في «يهودا والسامرة» هي «تجسيد معاصر للقيادة الصهيونية» وقوة تحمي بقية أنحاء البلاد، التي تحظى بإجماع شعبي واسع. ومن أبرز الحجج المطروحة اليوم أن البؤر الاستيطانية والمزارع التي تتكاثر في “يهودا والسامرة” هي “تجسيد معاصر للقيادة الصهيونية” وقوة تحمي بقية البلاد، وتحظى بإجماع شعبي واسع. ولا بد من دحض هذه الحجج (فيما يتعلق بتفصيل الدعم الشعبي)، كما دحض «مسلمات» أخرى، مثل الادعاء بأن مرتكبي العنف «قلة» وأن «الإرهاب اليهودي غير موجود». وكما أشار كبار المسؤولين الأمنيين مؤخراً، فإن البؤر الاستيطانية العديدة ــ والتي لا تستند جميعها إلى “منطق استراتيجي” ــ تتطلب تخصيص المزيد من القوات، ويعمل قسم كبير من سكانها على تفاقم التوترات على الأرض، بما في ذلك استخدام العنف ضد قوات الأمن. ويكتشف صناع القرار الإسرائيليون، بما في ذلك بعض المسؤولين الأمنيين، أنه من المستحيل الجمع بين نقيضين: تشجيع التوسع الاستيطاني الضخم وتخصيص موارد ضخمة لهذا الغرض، وتصنيف سكان جميع المزارع والبؤر الاستيطانية باعتبارهم “آثاراً وطنية”، والتأكيد على أن السلطة الفلسطينية هي عدو يجب القضاء عليه، بل ووصف كل الفلسطينيين بأنهم عدو لدود – ثم يفاجأون بمظاهر العنف المتطرفة. وتكشف هذه الأحداث عن تناقض صارخ مع القيم اليهودية والإسرائيلية الأساسية، وتلحق ضررا جسيما بصورة إسرائيل الدولية، خاصة في نظر الإدارة الأمريكية التي بدأت تنتقد القضية بشدة، في حين تظهر في الوقت نفسه شكوكا وانعدام ثقة متزايدة تجاه إسرائيل. إن ترسيخ صورة إسرائيل كدولة تفتقر إلى الحكمة المتوازنة وتفقد السيطرة على ما يحدث في الضفة الغربية قد يؤدي تدريجياً إلى فرض إجراءات تهدف إلى تدويل الصراع، ربما بدعم من ترامب. وهكذا يمكن أن تحذو الضفة الغربية حذو غزة، إذ أصبح من الواضح للعالم أن إسرائيل لا سيطرة لها ولا خطة ثابتة سوى الحرب المستمرة واحتلال الأراضي. ونتيجة لذلك، تم تجريدها من هيمنتها على المنطقة، والتي تجسدت في إنشاء آلية مركز تنسيق مكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، وإنشاء نظام يتناقض مع تصريحات القادة الإسرائيليين منذ بداية الحرب، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح حماس. تكشف الأزمة الحادة في الضفة الغربية عن حقيقة مريرة بشأن المجتمع الإسرائيلي. في ظل الحرب، يظهر مجتمعان لهما أفكار مختلفة وتصورات مختلفة للزمان والمكان تدريجيًا، بل ويصطدمان ببعضهما البعض. فمن ناحية، هناك فئة كبيرة، ربما الأغلبية، تجهل ما يجري وراء الخط الأخضر، وتفتقر إلى إدراك أهمية إقامة الدولة الواحدة التي تتشكل تدريجياً بين البحر والنهر، خاصة فيما يتعلق بالقضية «الهامشية» المتعلقة بمصير ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية. وفي المقابل، هناك فئة تعيش أجواء الوهم، وتستبدل التفكير الاستراتيجي المعقد بمصطلحات دينية، بينما تطمح إلى توسيع حدود الدولة، ترافقها مغامرات أيديولوجية خطيرة تتمثل في محاولات الاستيطان في غزة، وكذلك في سوريا ولبنان. منذ أكثر من عقد من الزمان، حذر المسؤولون الأمنيون من تحول استراتيجي في الضفة الغربية نتيجة التغيرات على الجانب الفلسطيني، لكن هذا لم يحدث، فمهما كثرت الضربات على أولئك الذين يعتقدون أن 7 أكتوبر قدم فرصة تاريخية لتغيير الواقع بين البحر والنهر، سيظلون متمسكين بشدة بإيمانهم بأن تحقيق أهدافهم أصبح في متناول اليد. لقد رفض ترامب بشكل قاطع فكرة الضم، وذكر الدولة الفلسطينية في قرار للأمم المتحدة، وألغى فكرة ترحيل سكان غزة، وأجبر إسرائيل على الاستيطان في القطاع، لكن هذه الإجراءات لا تثير أي تساؤلات أو تبشر بتغيير في المفاهيم. وهكذا فإن الضفة الغربية تحل تدريجياً محل قطاع غزة كعاصمة لأوهام إسرائيل، وهي المنطقة التي تعكس إحلال الأوهام في السياسة الرصينة. تنهار هذه الأوهام دائمًا، لكن صانعيها، الذين يحتقرون مصطلحي «التحقيق» و«الاستراتيجية»، يسارعون إلى تحقيق أوهام جديدة فاشلة. إن الحرائق في الضفة الغربية تشكل ضربة مزدوجة للجهود الوطنية الحالية التي تركز على الحملات في إيران ولبنان: أولاً، ضرورة تحويل القوات إلى الضفة الغربية، وثانياً، تشويه صورة إسرائيل في وقت حيث أصبحت الشرعية الدولية ضرورية للغاية للصراعات المهمة الدائرة الآن. ولأكثر من عقد من الزمان، حذر المسؤولون الأمنيون من تحول استراتيجي في الضفة الغربية نتيجة التغييرات على الجانب الفلسطيني، لكن هذا لم يحدث. وتزايدت احتمالات وقوع انفجار في هذه المنطقة في الأسابيع الأخيرة، ولكن هذه المرة على وجه التحديد بسبب زلزال مصدره الجانب اليهودي، وحان الوقت لأن ينظر صناع القرار إليه باعتباره تهديدا استراتيجيا. شكل إسرائيل سيتحدد في «يهودا والسامرة»، وموضوع ما يحدث في هذه المنطقة ومصيرها المستقبلي يجب أن يكون محور الانتخابات. وفي هذا السياق، من الضروري أن يطرح الجمهور أسئلة صعبة على القادة، وأن يطالب بإجابات شاملة وليس مجرد شعارات فارغة حول السيادة أو تصريحات غامضة حول إدارة الصراع. يديعوت أحرونوت 29/3/2026




