وطن نيوز
وبعد مقتل الضابط وثلاثة جنود من كتيبة الهندسة في لواء النحال مساء الاثنين في جنوب لبنان، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين منذ بداية الحرب الجديدة مع إيران إلى 30. وهو نفس عدد القتلى في حرب 12 يوما مع إيران في حزيران/يونيو الماضي، بينهم 11 قتلوا على الجبهة اللبنانية. لكنه ليس العدد الحقيقي بالطبع؛ وهي نفس الحرب، ولكن بأشكال مختلفة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، والتي قُتل فيها أكثر من 2000 إسرائيلي، من بينهم 900 جندي من الجيش الإسرائيلي. هذا دون إحصاء عشرات الجنود الذين انتحروا بعد مشاركتهم في الحرب، ومن خلال الارتباط المباشر بها. ووقع الاشتباك مع مقاتلي حزب الله، الذي قُتل فيه جنود “النحال” الأربعة، في قرية بيت ليف، التي كانت قبل جيل جزءاً من القطاع الغربي للمنطقة الأمنية في جنوب لبنان. ويتذكر أهالي الجيل الحالي من المقاتلين، الذين ينتظرون بفارغ الصبر في المنزل، أسماء مثل بيت ليف ودبل ويطر، منذ الثمانينيات والتسعينيات حتى الانسحاب من لبنان في أيار/مايو 2000. حتى أن بعضهم وصل إلى هذه القرى مرة أخرى في حرب لبنان الثانية عام 2006. وهناك تقلب واضح في موقف المجتمع الإسرائيلي تجاه لبنان. لقد حُفِرت حرب لبنان الأولى في الذاكرة العامة باعتبارها حرب خداع، ورغم الانتصار الواضح على منظمة التحرير الفلسطينية، فقد شكلت بداية صراع دموي طويل مع حزب الله والشيعة. وقد حظي الانسحاب الكامل في عام 2000 بموافقة بالإجماع، بعد أن اعتُبر إراقة الدماء السنوية (التي بلغ متوسطها 15 إلى 20 حالة وفاة سنوياً في التسعينيات) أمراً سخيفاً. وأدى اختطاف جنود الاحتياط، الذي أدى إلى حرب عام 2006، إلى إشعال الجدل من جديد حول مدى صحة الانسحاب. لكن بعد انتهاء تلك الحرب التي انتهت بالتعادل المرير، عادت القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية. تغيرت موازين القوى بعد مجزرة قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول، حيث خرج الجيش الإسرائيلي من الصراع مع حزب الله خريف 2024 بانتصار واضح، لكنه لم ينسحب من لبنان بشكل كامل، حيث بقيت خمسة مواقع عسكرية داخل لبنان على مسافة قصيرة من الحدود الشمالية. ورغم وقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل عملياتها ضد حزب الله دون أي رد منها. لقد أصبحت الصورة الآن أكثر تعقيدا. لقد كشف انضمام حزب الله إلى الحملة بعد اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي عن وجود فجوة في السرد الذي روجته الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي للرأي العام. وعلى الرغم من القصف اليومي الذي تعرض له، إلا أن حزب الله استغل تلك الفترة لإعادة تنظيم صفوفه وبناء قدراته العسكرية في المناطق التي سمحت له بذلك. ولا يستطيع الحزب إطلاق مئات الصواريخ يومياً على وسط البلاد كما خطط، لكنه قادر على شن حرب عصابات ومهاجمة القوات الإسرائيلية في المنطقة التي تتمركز فيها أربع فرق إسرائيلية بين الحدود ونهر الليطاني. في الوقت نفسه، يطلق حزب الله نحو 200 صاروخ ويتقدم يومياً نحو بلدات الشمال والقوات التي دخلت جنوب لبنان لحمايتها. وهذا على الأرجح يتجاوز ما كان يمكن للمواطن العادي أن يتخيله عندما اندلعت الحرب ضد تنظيم كان من المفترض أنه قد هُزم. وعليه، قررت الحكومة هذه المرة عدم إجلاء المواطنين من المدن الواقعة على خط المواجهة. وتضم القوات العاملة في الشمال معظم ألوية الجيش الإسرائيلي النظامي، باستثناء الألوية التي تبقى في قطاع غزة. وعدد ألوية الاحتياط التي شاركت في العملية البرية في لبنان أقل هذه المرة. فالأغلبية الساحقة من جنود الاحتياط البالغ عددهم 120 ألف جندي الذين تم استدعاؤهم للخدمة يحلون محل القوات النظامية في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة، وعلى الحدود الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، تم حشد كتائب احتياطية من الجبهة الداخلية وجنود من المقر. وسيطر الجيش الإسرائيلي على الخط الثاني من قرى جنوب لبنان على بعد 8-10 كلم شمال الحدود. وهذا يقلل من التهديد المباشر للصواريخ المضادة للدبابات على بلدات الشمال، لكنه لا يحل المشكلة تماما، لأن حزب الله نشر أيضا صواريخ في هذه المنطقة لا تعتمد على خط رؤية مباشر للهدف. بل إن حزب الله يطلق صواريخ ذات مسار حاد من مناطق شمال الليطاني. وحدد الجيش الإسرائيلي جيوبا نشطة لقوة الرضوان هناك، ويركز النار عليها في محاولة لوقف إطلاق النار. ويكون النزول نحو الليطاني جزئياً، لوجود مناطق يبعد فيها النهر عن الحدود، وأيضاً تفادياً لأن تكون القوات في موقع أدنى جغرافياً. والهدف هو السيطرة على النيران شمالاً باتجاه الليطاني والمناطق القريبة من الشمال، وفي الوقت نفسه تمشيط مناطق الجنوب باتجاه الحدود، في المناطق التي تمت السيطرة عليها. ولا تزال هناك خلايا لحزب الله في القرى تشهد اشتباكات، ولا تزال هناك بنى تحتية قتالية واسعة، مثل مراكز القيادة والمخابئ وربما الأنفاق، لم يتم التعامل معها سابقاً. ويقدر الجيش الإسرائيلي أن ما يقرب من 1.4 مليون شخص، معظمهم من الشيعة، غادروا قرى الجنوب بسبب الهجمات الإسرائيلية، ولا يزال العديد من القرويين المسيحيين هناك، ونادرا ما يقوم الجيش الإسرائيلي بعمليات هناك بسبب عدم وجود حزب الله هناك. وفي بداية الأسبوع، زار نتنياهو القيادة الشمالية. وفي نهاية الزيارة، نشر فيديو حماسيا، توعد فيه بتعميق الحملة في الشمال حتى هزيمة حزب الله، وتفاخر بالانتصارات التاريخية التي زعم أنه حققها. وفي حرب 2006، كان برتبة مقدم احتياطي حانوخ دوبا، قائد كتيبة دبابات نظامية. عندما واجهت قوة مظلية في بنت جبيل مشكلة وتكبدت خسائر، تطوع ضباء للذهاب في دبابة واحدة لإنقاذهم. وفي طريق العودة أصيبت دبابته بأربعة صواريخ وأصيب هو وجنوده. حصل دوبا على وسام الشجاعة وعاد للقتال في الاحتياط أثناء حصار قطاع غزة، وهو الآن غير متفائل بشأن مسار القتال الحالي. ويقول إن حجم القوات التي يحشدها الجيش في لبنان محدود، مقارنة بحجم المهمة التي يتحدث عنها السياسيون. إن الوعد بالنصر المطلق على حزب الله لا يتوافق مع ما يحدث على الأرض. وفي النهاية، يخشى تكرار ما حدث من قبل: أن تمركز الجيش الإسرائيلي على سفوح الجبال سيعرضه لمزيد من الهجمات بالصواريخ المضادة للدبابات، وأن ينتهي الأمر بمزيد من المناوشات الشرسة. لكن اتخاذ القرار يحتاج إلى جهد كبير وحشد المزيد من القوات، في ظل استمرار الحرب في إيران واستمرار استنزاف العديد من القوات في الضفة الغربية. عاموس هاريل هآرتس 4/1/2026




