وطن نيوز
وكانت الهجمات المتهورة التي شنتها إيران على منشآت الطاقة والمطارات والمناطق المدنية في جيرانها تهدف إلى وقف الحملة الأميركية الإسرائيلية ضدها. ولم يتحقق هذا الهدف بعد، وقد يكون لعدم ضبط النفس من جانب إيران أثر سلبي. وعندما ينكشف كذب آية الله، تثبت دول الخليج لنفسها أنها لم تخطئ في اختيار التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل أيضاً. وقد يكون ذلك نقطة تحول تعزز توجه الدول الإسلامية والعربية نحو الاعتراف بدولة إسرائيل وضرورة تنظيم العلاقات معها. وفي هذا السياق، نحن مطالبون بأن نشرح لأنفسنا، في مفترق الطرق الحالي، كيف أثرت الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 حتى الآن على موقف الدول العربية «المسالمة» من الاتفاقيات التي وقعتها معنا. الجواب الأساسي هو أن التأثير ينقسم إلى عالمين: العالم المرئي، والعالم الخفي. هناك تناقض صارخ بين هذين العالمين، ومن ينظر إلى أحدهما دون الآخر يخطئ في الاتجاهات الحقيقية الأعمق للعلاقات. وعلى الصعيد الدبلوماسي العلني، اتسمت العلاقات بين إسرائيل والدول العربية في السنوات الأخيرة بالتوافق الصارخ مع كلمات أغنية الفنانة نسرين قدري: “لا تذهب إلي، لا تتحدث معي، لا تأتي إلي، لا تناديني…”. جميع زعماء الدول العربية التي وقعت اتفاقيات مع إسرائيل رفضوا اللقاء بالقيادة الإسرائيلية منذ بداية الحرب، حتى لو كان سرا، باستثناء واحد منهم، حاكم الإمارات الشيخ محمد. بن زايد الذي لم يتردد في الحفاظ على اتصال هاتفي مباشر مع رئيس الوزراء خلال العامين والنصف الماضيين. والباقي قطع الاتصال تماما. قبل أكثر من ثلاث سنوات، في كانون الثاني/يناير 2023، رافقت رئيس الوزراء إلى اجتماع مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في العاصمة عمان. وكان من المستحيل التكهن حينها بأن هذا سيكون اللقاء الأخير بين رئيس وزراء إسرائيلي وزعيم دولة عربية مجاورة. وبعد قطيعة دامت سنوات بين الزعيمين، كان من الواضح أن لدى كليهما رغبة حقيقية في إضفاء مضمون جديد على اتفاق السلام الذي ظل مجمداً منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً. ومن هنا انطلقت مبادرتهما المشتركة لعقد أول اجتماع سياسي إقليمي من نوعه في العقبة بمشاركة إسرائيل والولايات المتحدة ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية. وبعد نجاح هذا الاجتماع، بادرت مصر والأردن إلى عقد اجتماع متابعة للمنتدى الذي عقد في شرم الشيخ. لكن قبل تحديد موعد الاجتماع الثالث، وقعت مجزرة 7 أكتوبر التي هزت المنطقة بعنف. ومنذ ذلك السبت المروع، انقطعت العلاقات طوعاً بين جميع قادة «دول السلام»، بما في ذلك شركاء اتفاقات إبراهيم، باستثناء الإماراتي المذكور. ويرفض الرئيس المصري السيسي، والعاهل المغربي الملك محمد السادس، والملك البحريني حمد آل خليفة، والعاهل الأردني الملك عبد الله، الدخول في حوار مع نظرائهم الإسرائيليين، رئيس الوزراء ورئيس الدولة. ولم يكن تبريرهم مراوغاً ولا ذكياً: ما دمتم تقاتلون في غزة، فلا يمكننا أن نتجاهل مشاعر شعبنا الذي يتألم لمعاناة الفلسطينيين. ولم تقطع المغرب ومصر والإمارات والأردن والبحرين علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، لكن عمليا عاد سفراؤها إلى بلدانهم (باستثناء الإمارات العربية المتحدة)، كما يتواجد سفراء إسرائيل لدى هذه الدول أيضا في إسرائيل، لأسباب أمنية في المقام الأول. هذه هي الصورة الواضحة للعلاقات: توتر مستمر، وأزمة لا نهاية لها في الأفق. ولكن هناك عالم آخر أقل وضوحاً من العلاقات بين الدول، لا يتم تسليط الضوء عليه في وسائل الإعلام. إن هذا العالم هو نتاج مصالح أساسية عميقة، نابعة من الفهم الدقيق للأعداء المشتركين والمخاطر التي تهدد السلام والاستقرار في المنطقة. هكذا تطور التعاون الأمني بين إسرائيل وجيرانها على مر السنين، وقد صمدت هذه العلاقات أمام تحديات خطيرة، وتغلبت عليها بنجاح، بل وتعززت تدريجياً. كما شهد التعاون الاقتصادي دفعة قوية بعد أن أصبحت إسرائيل قوة غازية إقليمية. إن صادرات الغاز إلى الأردن ومصر تعزز العلاقات بينهما وبين إسرائيل بطريقة لم تكن متوقعة عندما وقع بيغن والسادات ورابين والملك حسين على معاهدات السلام. ويستفيد الأردن أيضًا من اتفاقية إمدادات المياه الحيوية مع إسرائيل، وقد تساهم المبادرات الإقليمية الإضافية (مشروع “الازدهار”) في تخفيف النقص المتزايد في المياه في المملكة الهاشمية. حظيت دول «اتفاق إبراهيم» بمكاسب سياسية وأمنية كبيرة من إسرائيل والولايات المتحدة، بفضل امتثالها لرؤية ترامب. ويمكن الاستنتاج من ذلك أن نيران الحرب لم تطفئ رؤية التعاون الإقليمي العربي الإسرائيلي، في إطار محور موالي لأميركا يدعمه الرئيس ترامب الذي يدعم حربه غير المسبوقة لهزيمة محور الشر الإيراني. إن الأصوات الحادة المنبعثة من قطاع غزة خلال العامين الماضيين أجبرت القادة العرب على الاكتفاء بالتصريحات الخطابية أمام الرأي العام الإسلامي في بلدانهم، الذي يتعرض ليل نهار للدعاية التحريضية والمضللة. ويمكن الافتراض أن رؤساء الدول أنفسهم، بغض النظر عن الرأي العام في العالم العربي، يشعرون بعدم الرضا الحقيقي عن سياسة إسرائيل. إلا أنهم تمكنوا من صد أي دعوة داخلية أو خارجية لإلغاء اتفاقيات السلام. ومن الصعب تحديد الدافع وراء إصرارهم على تجنب “تكسير الأطباق” بأي ثمن؛ هل هي رغبة في عدم إغضاب الإدارة الأميركية التي استثمرت عقوداً في عقد اتفاقيات المصالح المهمة المذكورة أعلاه، أم وعي أساسي بأن قيمة حسن الجوار أكبر بعشرات المرات من ثمن استمرار الصراع؟ المهم أن جميع الاتفاقيات لا تزال سارية المفعول، وأن دولة إسلامية أخرى هي أرض الصومال انضمت مؤخراً إلى دائرة السلام؟ ويبدو أن العالم الخفي الذي يعكس المصالح الحقيقية، نجح حتى الآن في التغلب على العالم الظاهري الذي يهيمن عليه النفاق والتظاهر. تساحي هنغبي يديعوت أحرونوت 23/03/2026


