وطن نيوز
وقال أنور قرقاش، مستشار رئيس الإمارات: “لقد انتهكت طهران الاتفاق الشفهي القائم بيننا”. وأوضح أن معنى هذا الاتفاق هو عدم استخدام أراضي الخليج لمهاجمة إيران مقابل عدم مهاجمة إيران. تجسد هذه العبارة الصدمة والدهشة التي عاشها حكام دول الخليج بعد إطلاق إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على أراضي دول الخليج – السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين. وحتى سلطنة عمان الوسيط لم تسلم من هجوم على أحد الموانئ الواقعة على أراضيها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدول ليست مستعدة لحماية مواطنيها بالملاجئ والقواعد الجوية. ما وراء هذه الهجمات؟ وبررت إيران هجماتها بالقول إنها استهدفت قواعد أمريكية، لكنها في الواقع استهدفت أيضًا أهدافًا عسكرية ومدنية أخرى. المنطق الأساسي وراء هذه الهجمات، كما أوضحت صحيفة الأخبار اللبنانية التابعة لحزب الله، يكمن في ثلاثة محاور: أولاً، الضغط على الحكام الذين سيستخدمون نفوذهم لدى ترامب والعالم بشكل عام لوقف الحرب. أما قرار إيران غير المفاجئ بإغلاق مضيق هرمز، فمن الطبيعي أن يهدف إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على دول الخليج، وعلى جميع الدول الغربية التي تعتمد على النفط والغاز من الخليج. والسبب الثاني هو التأثير النفسي على دول الخليج. وإذا صحت التقارير التي تفيد بأن قطر والإمارات تعملان مع ترامب وأوروبا لوقف القتال، فإن هذين السببين سيحققان الهدف المنشود. والسبب الثالث هو إرسال رسالة مفادها أن أي دولة تساعد الولايات المتحدة ليست آمنة. في هذه الأثناء، تتخذ دول الخليج موقفاً حذراً في ردودها. وقلقها مفهوم، نظراً لقدراتها العسكرية المحدودة وهشاشة مواردها من النفط والغاز. لذلك، ركزت هذه الدول على الإدانة والدبلوماسية، حتى أن قطر شنت بعض الهجمات على إيران ردا على ذلك. أما الإمارات التي تكبدت أكبر الخسائر، فقد أغلقت سفارتها في طهران، وربما تقطع علاقاتها لاحقا، وقد تحذو حذوها دول خليجية أخرى. ومن المفترض أن تقود المملكة العربية السعودية رد فعل دول الخليج. ورغم تعرض مصفاة نفط لأضرار، إلا أنها لم ترد عسكريا حتى الآن. ومن المفترض أنه إذا استمرت الهجمات الإيرانية، فإن ولي العهد سيضطر إلى الرد عسكريا، ولو رمزيا، في ظل الاختبار الذي تتعرض له قيادته. يمكن للأحداث أن تعلمنا دروساً مهمة لدول الخليج: فشل سياسة «التحوط» عند اختبارها. شهدت العلاقات الإيرانية الخليجية خلال العقد الماضي تقلبات. وجددت الإمارات والسعودية علاقاتهما الدبلوماسية مع إيران (في عامي 2022 و2023 على التوالي) بعد انقطاع دام عدة سنوات. وجاء هذا التقارب انطلاقا من الرغبة في الحد من التهديد الإيراني والحوثيين في اليمن، الذين أطلقوا أيضا صواريخ على حقول النفط السعودية في عام 2019. وارتبطت هذه الخطوة أيضا بالعلاقات المتوترة بين الرئيس الأمريكي بايدن وولي العهد محمد بن سلمان على خلفية مقتل خاشقجي وانتهاكات حقوق الإنسان. وقادت الإمارات سياسة الانفراج الدولي، إذ استخدمت إيران كقاعدة وميناء لنقل البضائع من وإلى الدولة، ضمن آلية للالتفاف على الحصار الغربي المفروض عليها. وفي الفترة 2023-2024 ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 27 مليار دولار. كما ضمن هذا التقارب استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز. لكن الحرب كشفت كل أوراقها وأظهرت فشل سياسة التحوط. وكان الفشل فاضحاً بشكل خاص في حالة عمان، التي اعتقدت خطأً أن دورها كوسيط يضمن أمنها. وقد حدث شيء مماثل لقطر بعد أن هاجمت إسرائيل قادة حماس على أراضيها في سبتمبر/أيلول 2025. ولو كان هناك بالفعل تفاهم ضمني، كما ادعى قرقاش، بين إيران ودول الخليج، لتضررت الثقة بين الطرفين بشدة. ومن الجدير بالذكر أن مستوى الثقة بين الطرفين لم يكن مرتفعاً أبداً، نظراً للصراعات العرقية (العرب مقابل الفرس) والدينية (السنة مقابل الشيعة). وبما أنه لا يوجد بديل – إذ لا تستطيع روسيا والصين توفير مظلة حماية لدول الخليج – فإن الحل يكمن في زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة، بما في ذلك توقيع تحالفات دفاعية مع الدول التي لا تستفيد منها. تعزيز التضامن الخليجي على الرغم من وجود منظمة إقليمية في الخليج – مجلس التعاون الخليجي (1981) – إلا أن هذا المجلس لم يعمل دائماً في وئام. على مر السنين، ظهرت العديد من النزاعات نتيجة لاختلاف المصالح السياسية والاقتصادية. ومؤخراً، نشأ خلاف بين السعودية والإمارات بشأن الأزمات في اليمن والسودان والصومال، لكن الهجوم الإيراني كسر الجمود. واتصل ولي العهد برئيس الإمارات وعرض عليه تقديم أي مساعدة قد تكون مطلوبة. لكن بالإضافة إلى ذلك، فكما أن إنشاء مجلس التعاون الخليجي كان نتيجة المخاطر والمخاوف التي حلت بدول الخليج بعد اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، فإن الحرب الحالية قد تؤدي إلى تعزيز التعاون بينها، بما في ذلك التعاون العسكري، حتى لو كان محدودا في نطاقه. لكن خلافات قد تنشأ حول الطريقة «الصحيحة» للرد على إيران. إن العالم العربي بشكل عام يعيش أزمة حقيقية. وباستثناء القمم والتصريحات الفارغة، لم يلعب دوراً فعلياً في حرب «السيوف الحديدية». ومن الواضح أيضاً أن العالم العربي ممزق ومنقسم بين الدول التي تعاونت مع تركيا وإيران وإسرائيل، القوى الإقليمية الثلاث الكبرى. لكن هجوم دولة غير عربية على ست دول عربية يخلق روابط وتضامنا في ظل الهوية العربية المشتركة. وفي هذا السياق، يجدر النظر إلى المحاولة المثيرة للاهتمام التي قام بها الرئيس المصري السيسي لتبني موقف “الرجل المسؤول”، عندما اتصل بمعظم حكام الدول العربية في المنطقة، معبراً عن تضامنه ودعمه للحل السلمي عبر الحوار. وأدت حرب “السيوف الحديدية” والأزمة الإنسانية في غزة، ولا سيما الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، إلى توتر العلاقات بين الإمارات والبحرين والسعودية وقطر وإسرائيل، والتي ظلت في أحسن الأحوال بعيدة عن الأضواء. لقد تعززت صورة إسرائيل باعتبارها دولة معتدية تسعى إلى التوسع في الشرق الأوسط. يحمل الوضع الراهن إمكانية التغيير، ولكن في اتجاهين مختلفين: الأول أن المبادرة الإسرائيلية الأميركية لمهاجمة إيران قد تعمل على تعزيز صورة إسرائيل باعتبارها قوة إقليمية استبدادية لا تتردد في استخدام قوتها العسكرية لتحقيق أهدافها التوسعية. ونظراً للتقديرات التي تشير إلى أن التهديد الإيراني سوف يضعف، إن لم يختفي، وأن “محور المقاومة” لن يبقى محوراً قائماً، فإن حاجة إسرائيل ستنخفض. ومن ناحية أخرى، فإن نجاح الهجوم على إيران قد يعيد لإسرائيل صورتها الإيجابية التي كانت سائدة خلال فترة اتفاقيات إبراهيم، كقوة عسكرية تستحق التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة غير إيران، وكقوة تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة. إن نجاح إسرائيل في استعادة موقعها المفقود سيعتمد على موقعها في ساحة أخرى بعيدة المنال حالياً، وهي الساحة الفلسطينية. وبشكل عام، سادت مشاعر الفخر والكراهية المتبادلة بين العرب والفرس، خاصة منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، عندما اعتنق حكام إيران المذهب الشيعي. ومنذ ذلك الحين، تشهد العلاقات صعوداً وهبوطاً، لكن لا شك أن الهجوم الحالي سيعيد إشعال هذه المشاعر. وطالما استمر هذا النظام في حكم إيران، فلن يكون هناك انتعاش حقيقي في العلاقات الخليجية معه. ولن يتمكن إلا النظام الجديد من رأب الصدع. البروفيسور إليفودا ن12 5/2/2026



