وطن نيوز
د. ميخائيل ميلشتين من أبرز ردود الفعل على الهجمات المفاجئة التي تسبب صدمة جماعية، قيام الجهة المستهدفة بإنشاء مشاريع ضخمة، ينظر إليها على أنها رد على التهديد المكتشف وضمانة لعدم تكرار فشل الماضي. وهذا عادة ما يكون تحضيراً لتحديات الحرب السابقة، بينما يقوم في الواقع بإعداد العدو لنوع مختلف من الحرب. وكان هدف خط ماجينو، الذي بناه الفرنسيون بين الحربين العالميتين، هو صد الغزوات الألمانية التي انطلقت عبر الحدود بين البلدين، لكنه أثبت عدم جدواه عندما شنت ألمانيا هجومها عام 1940 متجاوزة أراضي بلجيكا. كما أوقف الجدار الذي أقيم على حدود غزة بعد عملية الجرف الصامد (2014) التسلل إلى الأراضي الإسرائيلية عبر الأنفاق في 7 أكتوبر/تشرين الأول، لكنه انهار في مواجهة غارة برية واسعة النطاق. منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، أصبحت مصادرة الأراضي ركيزة أساسية للسياسة الأمنية الإسرائيلية، ويتم تنفيذها في لبنان وغزة وسوريا. ويقدم ذلك كدرس أساسي من فشل 7 تشرين الذي كان الهدف منه ضمان حماية التجمعات القريبة من الخطوط الحدودية وإبعاد العدو عنها، وهناك من يضيف «الرؤية» التي «لا يفهمها العربي إلا عندما تؤخذ أرضه منه»، وهو ما يعني تعزيز صورة إسرائيل كرادع. ويقدم نتنياهو وكاتس نفس الرؤية، حيث يؤكدان باستمرار أن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها. منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أصبح الاستيلاء على الأراضي بمثابة الدعامة الأساسية للسياسة الأمنية الإسرائيلية، ويتم تنفيذها في لبنان وغزة وسوريا. لكن التفكير النقدي والذاكرة يشيران إلى أن فشل 7 أكتوبر لم يكن نابعاً بالدرجة الأولى من وجود العدو قرب الحدود، بل من هيمنة الغطرسة والغطرسة على إسرائيل، مقرونة بازدراء العدو وسوء فهم منطقه، وظهور فكرة إمكانية تغيير سلوكه من خلال الحوافز الاقتصادية. في مثل هذا الوضع، حتى لو كانت الحدود كما هي اليوم، لكان من الممكن شن هجوم مفاجئ وحاسم على إسرائيل. ولا شك أن الأفضل للعدو أن يكون بعيداً عن المستوطنات الحدودية في الشمال والجنوب، وعدم تطوير البنى التحتية التي تهدد الحدود. لكن لا بد من طرح أسئلة جوهرية: إلى متى سيتم احتلال المناطق المحتلة على الجبهات الثلاث؟ فإلى جانب السيطرة على الأراضي (أو ما تسميه إسرائيل “الانتهاك التدريجي” في سياق غزة)، هل هناك خطة استراتيجية؟ فكيف سنتصرف في مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة للانسحاب، كما بدأ بالفعل في لبنان؟ إضافة إلى ذلك، لا بد من إدراك أن استمرار الاستيلاء على الأراضي يعيق التطبيع مع الدول العربية، التي تشعر بالفزع أصلاً مما تعتبره «مؤامرة للتوسع الإقليمي على حسابها». ويوصى بتجريد الاستيلاء على الأراضي من أي دلالات أيديولوجية، وخاصة الرؤية القطاعية المرتبطة بالحركة الصهيونية الدينية، والتي ينبغي أن يشملها ممثلوها في الحكومة ودولة الكنيست أيضاً، مثل الضم والطرد وإقامة المستوطنات. وفي الوقت نفسه، يوصى بتجريد الاستيلاء على الأراضي من أي دلالات أيديولوجية، وخاصة الرؤية القطاعية المرتبطة بالحركة الصهيونية الدينية، والتي ينبغي أن يشملها ممثلوها في الحكومة ودولة الكنيست أيضاً، مثل الضم والطرد وإقامة المستوطنات. إن ترسيخ الصورة بأن الاستيلاء على الأراضي في الساحات الثلاث، إلى جانب الجهود الاستيطانية المكثفة في الضفة الغربية، تنطلق من دوافع دينية لا تمثل عموم السكان، ومختبئة خلف مبرر استراتيجي ظاهري («حيثما يوجد استيطان، لا يوجد إرهاب»)، سيؤدي إلى تصعيد الجدل الداخلي حول غرض الحرب. التمسك بالأرض يُطرح حالياً على أنه «ركيزة وجودنا»، فيما يبدو التلاعب بهذه القضية محاولة من القيادة لإثبات الإنجازات في فترة التراجع الاستراتيجي: في ظل الاتفاق مع إيران الذي يهدد مصالح إسرائيل، وتضييق هامش العمل الإسرائيلي في لبنان، وغموض الاستيطان في هذه الساحة، وتصاعد التوتر بين نتنياهو وترامب، كل ذلك يطرح تساؤلات حول جدوى حرب «زئير الأسد» سواء كانت حرباً أم لا. فضرره يفوق نفعه، وبشكل عام، ما إذا كانت الظروف التي كانت سائدة قبل هذا الصراع قد تغيرت. لقد أصبح الأمر أسوأ. والحقيقة أن إسرائيل تعيش منذ نحو أسبوع مرحلة صعبة من التراجع إلى الواقع والعودة إلى المكانة التي فقدتها منذ بداية عهد «زئير الأسد»، مصحوبة بأوهام حول انهيار النظام الإيراني والقضاء على الأعداء وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، فيما تلوح في الأفق «تأملات» حول إعادة رسم حدود سايكس بيكو، في ظل دعم أميركي كامل لإعادة هندسة البنية الإقليمية. الصحوة بدأت مع الاتفاق مع إيران، وازدادت حدتها مع الاتفاق مع لبنان مؤخراً. ويبدو أن الأخير يشكل “سلماً” لانسحاب إسرائيلي محتمل من جنوب لبنان، وهو أهون الشرين وأكثر ملاءمة من مواصلة الحرب واحتلال الأراضي من دون خطة منهجية. لكن لا بد من الحفاظ على مقاربة واقعية: الحكومة اللبنانية تبقى ضعيفة، وحزب الله الذي يرفض الاتفاق قوي ومن غير المتوقع أن يختفي. إن الهدف الرئيسي لإسرائيل ليس السيطرة على الأراضي، بل الحفاظ على حرية العمل في مواجهة التهديدات المستقبلية، مثل الجهود التي يبذلها حزب الله لتعزيز موقفه وعودة إيران إلى لبنان. ولتحقيق هذه الغاية، لا بد من الحفاظ على علاقات طبيعية مع ترامب رغم التوتر الحالي، مع إثبات قدرة إسرائيل على إدارة شؤونها السياسية، وأن ذلك لا يقتصر على الأنشطة العسكرية. علاوة على ذلك، من المستحسن البدء بالتفكير في بدائل للوجود لمدة غير محددة والغرض على الجبهات الثلاث: بدءاً بنشر قوات أجنبية أو محلية، بإشراف أميركي، واستمرار السيطرة على النقاط الاستراتيجية الرئيسية (خاصة محور فيلادلفيا)، والأهم ضمان حرية العمل في مواجهة أي تهديد ناشئ في العمق، خاصة في منطقة الحدود، مع إبداء المبادرة والقدرة على الهجوم (مبدأ “المنع”)، إلى جانب اليقظة المستمرة ضد عدو لا يمكن “القضاء عليه” في أي ساحة. وتجنب سياسة الاحتواء والتقييد التي كانت سائدة حتى قبل ثلاث سنوات. بمعنى آخر: تطبيق دروس فشل 7 أكتوبر والمفهوم الذي تقوم عليه، والذي يتحمل مسؤوليته من يسعى اليوم إلى تشكيل الواقع دون الاعتراف بفشله أو التشكيك فيه. يديعوت أحرونوت 28/6/2026




