فلسطين المحتلة – القضاء على نبوءة أحمد ياسين

اخبار فلسطينمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
فلسطين المحتلة – القضاء على نبوءة أحمد ياسين

وطن نيوز

الشخص الذي لم ينام مرتين في المكان نفسه، والذي نجح بمستوى مرضي من “التكتيكات الدقيقة” في سياسة العزلة والسرية، والذي بقي على قيد الحياة لسنوات طويلة وهو هدف دائم للجيش الإسرائيلي والشاباك، صعد فوق الأرض للقاء عائلته، وتم اغتياله. والآن تم الكشف عن الملف الاستخباراتي للشخص الذي أصبح أهم شخصية في حركة حماس: عز الدين الحداد. ووصفته شعبة المخابرات العسكرية بأنه شخص حذر للغاية، إلى حد جنون العظمة تقريبا: رجل لا ينام مرتين في نفس المكان، ويدير مستوى الانفصال السري وينفذ القرارات بطريقة مرضية، حتى أصغر تفاصيل النشاط “الإرهابي” ضد إسرائيل، وقد بقي على قيد الحياة لسنوات عديدة تحت مرمى الجيش الإسرائيلي والشاباك. لكن يوم الجمعة الماضي، الساعة 19:45، ارتكب عز الدين الحداد أكبر وآخر خطأ في حياته. وصعد فوق الأرض إلى شقة في قلب مدينة غزة للقاء عائلته. وكان واثقاً من أن أذرع أخطبوط المخابرات الإسرائيلية لن تصل إلى هناك. لكنه ارتكب خطأ. بعد الاغتيال الدرامي للشخص الذي أصبح القائد الفعلي للجناح العسكري، ألون بن دافيدو، زعيم حركة حماس في قطاع غزة، أصبح من الممكن إلقاء نظرة أولية وحصرية على الملف السري الذي تم الكشف عنه قبل “والا”. إن التحول الدراماتيكي في قطاع غزة، كما حددته شعبة المخابرات العسكرية، ظهر في سلسلة التنازلات التي وافقت عليها قيادة حماس. وكان ذلك حتى قبل اتفاق وقف إطلاق النار الذي قاده ترامب، وكان نتيجة مباشرة للضغط المكثف الذي مارسه الجيش الإسرائيلي على الأرض. وأدى ذلك الضغط العسكري إلى إعادة جميع الأسرى الأحياء وجثثهم إلى إسرائيل، بالإضافة إلى الموافقة على مبادئ الخطة الأمريكية التي تتضمن إعادة إعمار قطاع غزة والانسحاب من عمق الأراضي الفلسطينية، مقابل نزع سلاح حماس. وبحسب تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية، بقيادة اللواء شلومي بيندر، كانت حماس في تلك الأيام ضعيفة للغاية، مع سيطرة فضفاضة على الأرض الفلسطينية، ولذلك وافقت على هذا التحول في تناقض تام مع سياسات وخطط قيادتها العليا. وهذا على النقيض من الوضع الحالي؛ وخلال فترة وقف إطلاق النار، نجحت حماس في توسيع قاعدة دعمها في الشارع الفلسطيني بغزة، ووصف هذا الدعم بـ”المستقر”. ملف عز الدين الحداد. من ناحية أخرى، تؤكد شعبة المخابرات أن التهديد القادم من قطاع غزة تراجع بشكل كبير، بفضل إنجازات الجيش الإسرائيلي وإصرار قائد المنطقة الجنوبية اللواء يانيف أسور، على الحفاظ على هذا الإنجاز من خلال الاغتيالات والعمليات الاستباقية، بمساعدة وحدات الاستخبارات العسكرية، وعلى أساس الانتشار على طول “الخط الأصفر”. لذلك، عند دراسة وضع حماس حتى يوم الجمعة الماضي عند الساعة 19:45، أي قبل الاغتيال مباشرة، فإن الشخصية الأكثر أهمية ومركزية – على المستوى القيادي والعسكري والسياسي والحكم والفهم العميق لإسرائيل – هو عز الدين الحداد، زعيم حماس في قطاع غزة. وللإلقاء نظرة على «ملف عز الدين الحداد» في شعبة المخابرات، تحدثت هذا الأسبوع مع شاب يبلغ من العمر 35 عاماً يشغل منصباً حساساً في الاستخبارات العسكرية. بدأ خدمته كمقاتل في الجيش، ثم ترقى في الرتب، وتم تسريحه، وعاد إلى الخدمة لأنه شعر أن ذلك “الأكثر أهمية وإثارة للاهتمام”، وشغل خلال حياته المهنية مناصب في قسم التخطيط. وبعد ذلك انتقل إلى شعبة المخابرات. وعمل سابقاً في الساحة الشمالية، وقام خلال العامين الأخيرين بالبحث والدراسة المتعمقة لنشاط حماس في ساحات مختلفة، ليس في قطاع غزة فحسب، بل أيضاً في الضفة الغربية ولبنان وتركيا وغيرها. ورأى في الأسرى أداة يجب الحفاظ عليها لخدمة مصالح حماس. وقال الضابط ذو المنصب الحساس: “عز الدين الحداد من جيل القادة الذين نفذوا 7 أكتوبر، وقد شغل أهم المناصب الممكنة خلال مسيرته، وبالتأكيد خلال الحرب، وفي النهاية كان قائد لواء غزة، وهو أكبر وأهم لواء في حماس”. وعن الرواية التي تشكلت حوله في المجتمع الإسرائيلي وعلاقته بالأسرى، أضاف الضابط: “في النهاية، الأمر نابع من عقلية نفعية للغاية. يجب أن نفهم أننا نتحدث عن شخص شديد التركيز على المهمة، ويأخذ دوره على محمل الجد، وكان مسؤولاً إلى حد كبير عن ملف الأسرى. وكان يرى فيهم أداة يجب الحفاظ عليها لخدمة مصالح حماس. لذلك، تعامل معهم بما مكنه من خدمة مصالح حماس والتميز في أداء مهمته”. كما أنه استخدمها لحماية نفسه، ولضمان حصول حماس على ما تريد. واستمرت مطاردة عز الدين الحداد سنوات طويلة. لقد كان هدفاً للجيش الإسرائيلي والشاباك عدة مرات، بما في ذلك منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. ووصفت المخابرات العسكرية ذلك بأنه “نافذة فرصة”. وترفض الاستخبارات التقييم القائل بأن الحداد أصبح لديه شعور بالحصانة أو الأمان المفرط بسبب وقف إطلاق النار، وأن هذه الطمأنينة هي التي قادته إلى “خطئه الكبير”. الصورة أكثر تعقيدا. وأوضحوا أن قادة حماس الآخرين، على الرغم من أنهم لم يشعروا بأي أمان وكانوا حذرين للغاية، إلا أنهم في النهاية ارتكبوا خطأً فادحًا وتم اغتيالهم. وفي النهاية نصل للجميع في النهاية. وما أدى إلى خطأ الحداد الفادح هو قراره مقابلة عائلته في شقة وسط مدينة غزة فوق الأرض، لاعتقاده أنها سرية وأن تفاصيلها ستبقى بعيدة عن أحضان أخطبوط المخابرات الإسرائيلية، رغم أن الأجهزة سبق أن وصفته بأنه “حذر للغاية إلى حد جنون العظمة”. وأضاف الضابط: “في النهاية، نصل إلى الجميع. لا يهم كيف تحاول الالتفاف حول هذا الأمر”. ووصف الملف الموجود على مكتب رئيس المخابرات العسكرية اللواء شلومي بيندر، الحداد بأنه قائد رفيع المستوى يتمتع بنفوذ كبير على عدة مستويات. يتمتع بقدرة كبيرة على توزيع الانتباه، وإدارة التفاصيل التكتيكية الدقيقة “إلى أقصى درجة”، وفي الوقت نفسه يعرف كيف يجعل الناس يقدرونه ويحترمونه. وزعمت المخابرات أيضًا أن هذه كانت صورته الذاتية أيضًا: عالية جدًا. لقد وصفته القيادة العليا لحماس دائمًا بأنه شخصية مهيمنة للغاية، وقيل إنه “لم يصبح متعجرفًا أبدًا” في أي وقت. وبرزت شخصيته بشكل خاص خلال التدريبات التي سبقت 7 أكتوبر/تشرين الأول، عندما حضر للإشراف على جودتها مع رائد سعد، قائد الجناح العسكري الذي اغتيل خلال الحرب، فيما تبين فيما بعد أنها تحضيرات للمجزرة. بالإضافة إلى ذلك، تم وصفه بأنه شخص متدين للغاية وأيديولوجي للغاية، حتى بالمقارنة مع أعضاء آخرين في التنظيم، وكان يرى أن “المقاومة” المسلحة هي الطريق المركزي والوحيد ضد إسرائيل. وحتى عندما كان مستعداً لبعض التنازلات، كان الهدف هو الحفاظ على بقاء حماس وضمان استمراريتها. وبحسب الضابط، لو كان عز الدين الحداد قادراً لكرر 7 أكتوبر بنفس مستوى الوحشية التي خطط لها بنفسه. وعندما تولى الحداد قيادة الجناح العسكري، عمل بكل قوته على تنفيذ عمليات واضحة في مختلف أنحاء القطاع: إعادة بناء القدرات العسكرية والحكومية، والاستعداد لهجوم إسرائيلي، وكعادته؛ النزول إلى أصغر التفاصيل. كان مؤثراً ومهيمناً، ولم يتخل عن الربط بين القيادة السياسية والسياسات العامة والأيديولوجية والاتصال المباشر بالميدان. “شره” بحسب ملف المخابرات ظهر في كونه شخصية مسيطرة للغاية، يقود ويوافق على أصغر التفاصيل، بما في ذلك المجازر والعنف ضد التجار الفلسطينيين الذين لم يلتزموا بسياسات حماس، وإطلاق النار على عائلات وعشائر في قطاع غزة التي تحدت سلطته، وإعدامات في الشوارع باسم الردع، وملاحقة شخصيات يشتبه في تعاونها. ولذلك فإن شخصيته المتطرفة، وتأثيره الحاسم على حماس داخل غزة وخارجها، ومعرفته العميقة بالميدان والمجتمع الإسرائيلي، والتي درسها بالتفصيل خلال سنوات سجنه في إسرائيل قبل إطلاق سراحه، كل ذلك جعله هدفا من الدرجة الأولى. بالنسبة للمؤسسة الأمنية، لم يكن اغتياله مجرد عملية تكتيكية، بل خطوة استراتيجية حاسمة لتغيير ميزان القوى في القطاع. وبحسب تقديرات الاستخبارات العسكرية، لا يوجد اليوم أي شخصيات في الجناح العسكري لحركة حماس أكبر منه مكانة، خاصة بعد سلسلة الاغتيالات المركزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. فراغ قيادي داخل حماس. وتشير التقديرات الحالية للاستخبارات الإسرائيلية إلى وجود فراغ عميق في قيادة حماس. وحتى الآن لا يوجد أي شخص في الجناح العسكري قادر على تولي المنصب بسلاسة. وحتى محمد عودة، الذي أشارت إليه التقارير الفلسطينية باعتباره وريثاً محتملاً، سيجد صعوبة في ملء هذا الفراغ. لكن تقديرات استخباراتية تشير إلى أن حماس ستواصل تحدي إسرائيل في قطاع غزة حتى بعد الاغتيال، وأن «روح المقاومة» ستستمر من داخل الأنفاق والشقق السرية وتحت ضغوط عسكرية مكثفة يمارسها الجيش الإسرائيلي. وقال الضابط: “حماس هي حركة مقاومة إسلامية عسكرية. وهذا جزء عميق من حمضها النووي. وحتى لو جاء زعيم آخر يرغب في اتخاذ اعتبارات عملية لفترة قصيرة، وحتى لو كان أقل هيمنة كزعيم، فإن الأيديولوجية في النهاية تظل كما هي”. وأشار الضابط إلى أن هناك اعتقادا داخل حماس بنبوءة الشيخ أحمد ياسين الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي، والتي تقول إن دولة إسرائيل لن تكون موجودة بحلول عام 2027. وبحسب التقديرات الاستخباراتية، فإن حماس ستجري تعديلات ومبررات مختلفة إذا لم يتحقق ذلك في عام 2027، وقد تدفع الجمهور إلى عام 2028 أو عام آخر. لكن بقي ولا يزال اعتقادا عميقا بأن “الكيان الصهيوني” و”الاحتلال” كما تراه حماس “سيختفيان وسيمحيان من العالم”. هذه الفكرة تظهر في ميثاق حماس، ويكررها قادتها علناً حتى يومنا هذا. وفي نهاية الحديث سألت الضابط: لو سأله أصدقاؤه خارج الخدمة العسكرية عن أهم تأثير لاغتيال الحداد ماذا سيقول بلغة بسيطة؟ أجاب: “التنظيمات الجادة تحتاج إلى قيادة جادة، وأعتقد أن التخلص منه يعني أنه لا يوجد اليوم قادة بحجمه داخل قمة حماس. وألخص ذلك بالقول إن هناك تحديا قياديا الآن داخل الجناح العسكري، وربما أيضا تأخير في العمليات التي تحاول الحركة دفعها قدما. وأعتقد أنه ما لم تتخلى حماس عن أسلحتها، فلن يكون هناك من محصن في النهاية، وبالتأكيد ليس قائد الجناح العسكري، وأعتقد أن لذلك قيمة استراتيجية كبيرة”. أمير بوخبوط، موقع “واللا” 22/05/2026