وطن نيوز
تعكس تصريحات الرئيس ترامب في الأيام الأخيرة محاولة لإيصال رسائل متوازية متعددة: تصوير الحملة ضد إيران على أنها نجاح تدريجي، مع نية إنهائها قريبًا، مع تجنب تحديد شروط نهايتها بوضوح. ويظهر هذا الوضع تزايد التوتر في الأوساط الحكومية بين العوامل الدافعة لاستمرار الحملة لتعظيم مكاسبها العسكرية، وبين القيود الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي تدفع نحو تقليص مدتها. من وجهة نظر إسرائيل، تعتبر هذه مرحلة حساسة للغاية: فكلما تعاظم الضغط على واشنطن لإنهاء القتال، كلما تعاظم خطر اتساع الفجوة بين هدف إسرائيل المتمثل في إحداث تغيير عميق ودائم في توازن التهديدات بينها وبين إيران، والهدف الأمريكي الأكثر محدودية المتمثل في إضعاف إيران وردعها واحتوائها. وصلت الحملة الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى مرحلة لم يعد فيها محور النقاش يقتصر على حجم الضرر الذي لحق بقدرات إيران العسكرية، بل على كيفية تحديد الإنجاز الذي سيبرر نهايتها. وفي تصريحاته الأخيرة، قدم الرئيس ترامب صورة إيجابية للغاية لمسار القتال، بل وألمح إلى إمكانية إنهاء الحملة في فترة زمنية أقصر نسبيًا مما كان مخططًا له في الأصل. ومع ذلك، امتنع الرئيس عن توضيح الحد الأدنى المطلوب لإنهاء القتال، مما ترك الغموض حول أهداف أمريكا النهائية. ويقدم البيت الأبيض صورة شبه مثالية: فأميركا قوية، وإيران تتلقى الضربات، وسياسة “السلام من خلال القوة” تثبت جدواها. لكن الواقع، على الأقل في الوقت الحالي، أقل تفاؤلاً. وتستمر الحملة مع اقتراب نهاية الأسبوع الثاني، ويواصل ترامب مطالبة إيران بـ”الاستسلام دون قيد أو شرط”، لكنه في الوقت نفسه يعلن أن الولايات المتحدة هي من سيحدد متى “تستسلم” إيران. كما أشار ترامب إلى رغبته في تشكيل حكومة في إيران، تشبه تقريبا فنزويلا، أي تشكيل قيادة بديلة أكثر ملاءمة للمصالح الأميركية. ومع ذلك، فإن الواقع الإيراني يختلف عن فنزويلا، ويبدو أن النظام الإيراني أكثر مرونة مما يتصور البيت الأبيض. وفي الوقت نفسه، فإن إيران، التي عينت نجل علي خامنئي مرشداً أعلى جديداً، لم تنهار بعد. وذكرت وسائل الإعلام أن تقييما حديثا أجرته المخابرات الأمريكية خلص إلى أن النظام الإيراني ليس في خطر الانهيار، على الرغم من الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين. وبحسب المصادر الأمريكية المذكورة، فإن القيادة الدينية في إيران لا تزال موحدة، رغم وفاة المرشد الأعلى، وأن النظام لا يزال يسيطر على الشعب الإيراني. وهذا الغموض في الأهداف الأميركية ليس من قبيل الصدفة، بل يعكس الفجوة بين المطلوب والمتاح. ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن النتيجة المرجوة من هذه الحملة تتلخص في تحول استراتيجي واسع النطاق: إلحاق أضرار جسيمة ودائمة بقدرات إيران النووية والصاروخية، وإضعاف وكلائها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط بشكل كبير، وخلق الظروف المواتية لتغيير النظام، أو لسوء الحظ، خلق الظروف التي تجعل من الصعب على النظام الحالي استعادة مصادر قوته. في المقابل، بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الهدف المحتمل أكثر تحديدا: إضعاف إيران بشكل كبير، وتعزيز الردع الأميركي، والحد من قدرة النظام على التعافي، وإنهاء القتال مع تجنب التدخل لفترة طويلة. وبعبارة أخرى، تسعى إسرائيل إلى التغيير الهيكلي؛ وربما تكون الولايات المتحدة راضية عن ردع إيران ومحاصرتها. يمكن تقسيم العوامل الدافعة لاستمرار الحملة إلى عدة مستويات رئيسية. المستوى الأول هو كيف تنظر إلى التهديد. وتخشى الإدارة الأميركية أن يسمح التوقف المبكر لإيران باستعادة بعض قدراتها وتصوير بقاءها على أنه إنجاز استراتيجي. وترى الإدارة أنه في ظل هذا الواقع، ستبقى إيران تشكل تهديدا مستمرا لإسرائيل ودول الخليج، ولتوجيه المصالح الأميركية، وخاصة حرية الملاحة في الخليج، واستقرار سوق الطاقة، والنظام الإقليمي الموالي لأميركا. المستوى الثاني هو القيادة السياسية. ويسعى ترامب إلى تقديم الحملة كدليل على فعالية سياسة “السلام من خلال القوة”. ولأن الإدارة ربطت استخدام القوة بالوعد بنتيجة واضحة، فإن هناك حافزاً داخلياً لمواصلة القتال حتى يتم التوصل إلى إنجاز يمكن تقديمه باعتباره حاسماً، أو على الأقل على نفس القدر من الأهمية ولا جدال فيه. وكلما زاد رأس المال السياسي والعام الذي استثمرته الإدارة في الحملة، أصبح من الصعب التوقف عند مرحلة لا يمكن اعتبارها ناجحة. ومن خلال سلسلة طويلة من المقابلات والخطب، يبذل ترامب قصارى جهده لتسليط الضوء على الإنجازات العسكرية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استحالة تقديم إنجازات ملموسة على الأرض للجمهور الأمريكي. وربما تخشى الإدارة الأميركية أن يُنظر إلى قرار التوقف المبكر في نظر الجمهور ليس كدليل على ضبط النفس، بل كفرصة ضائعة لهزيمة إيران بشدة. المستوى الثالث هو المستوى الاستراتيجي العالمي. ومن وجهة نظر واشنطن، فإن الحملة ضد إيران لا تقتصر على ساحة الشرق الأوسط، بل هي أيضاً جزء من الرسالة الأميركية الأوسع الموجهة إلى الجهات الفاعلة المتنافسة، وأبرزها الصين. إن القدرة على استخدام القوة وحماية خطوط الطاقة ومعاقبة أي طرف يهدد ويزعزع الاستقرار هي عنصر أساسي في توسيع النفوذ الأمريكي الشامل. ولذلك فإن نهاية هذه الحملة قد تكون لها آثار تتجاوز السياق الإيراني الضيق، بل ومنطقة الشرق الأوسط برمتها. لكن في ظل هذه الاعتبارات، تتراكم الضغوط الحقيقية في الاتجاه المعاكس، وأهمها العامل الاقتصادي. لقد كان هناك تأثير سلبي على أسواق الطاقة، كما تسببت حالة عدم اليقين المحيطة بمضيق هرمز في تقلبات حادة في أسعار النفط. ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية فإن ذلك يمثل خطراً سياسياً مباشراً. وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الوقود والطاقة إلى تفاقم الضغوط التضخمية، والإضرار بالمستهلكين الأميركيين، وسرعان ما يحول الحملة الانتخابية من استعراض القوة إلى عبء سياسي محلي، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وتشير التقارير إلى عدم الرضا الأميركي عن الهجمات الإسرائيلية على منشآت النفط والغاز في طهران. مدى حساسية الإدارة لأية صدمة أخرى في سوق الطاقة. ومع ذلك، في التاسع من مارس/آذار، تلقى ترامب مثالاً على أن مجرد وعد غامض من جانبه بإنهاء الحرب أدى بسرعة إلى انخفاض فوري في أسعار النفط. في المقابل، هناك مخاوف من أن يؤدي عدم تنفيذ ترامب لوعده إلى تراجع سريع واتخاذ إجراءات ضده. ويضاف إلى هذا الاعتبار البعد المتعلق بالرأي العام. في الولايات المتحدة، لا يوجد سوى دعم محدود لحرب طويلة. هناك بعض الاستعداد لدعم الهجمات الإقليمية، ولكن ليس بالضرورة حملة طويلة ومكلفة ذات أفق زمني غامض. وتزداد هذه الحساسية مع ارتفاع التكاليف الملموسة للصراع، من حيث أسعار الوقود، والمخاطر التي تتعرض لها القوات الأمريكية، والتوسع الجغرافي للصراع. وهذا يعني أن فترة الشرعية الشعبية للعملية ستكون قصيرة نسبياً. ومع ذلك، من المهم التمييز بين الرأي العام وموقع مركز ثقل الجمهورية المحافظة. عند هذه النقطة، وعلى الرغم من وجود أصوات منتقدة في معسكر “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” وفي بعض وسائل الإعلام المحافظة، فإن مركز ثقل المعسكر لا يزال يدعم ترامب ويضفي الشرعية على استمرار الحملة، طالما تم تقديمها على أنها محدودة زمنيا، وتعتمد في المقام الأول على القوة الجوية، ولا تتصاعد إلى تدخل بري واسع النطاق أو “حرب لا نهاية لها”. يعتمد هذا الدعم إلى حد كبير على قيادة ترامب نفسه: إذا غيّر الرئيس مساره أو أشار إلى أن أهدافه قد تحققت، فمن المرجح أن تنحاز قطاعات واسعة من المعسكر المحافظ بسرعة إلى نهج الاحتواء والإنهاء. بالإضافة إلى ذلك، هناك قيود تتعلق بالمدة الإستراتيجية للحملة. وحتى لو استمر الجهد العسكري في إلحاق أضرار جسيمة بإيران، فليس هناك ما يضمن أن هذا الإنجاز سيؤدي إلى انهيار النظام أو تغيير جذري في سياسته وسلوكه. وإذا تبين أن الإنجازات القتالية تتراكم في المقام الأول من حيث إضعاف إيران بدلاً من الحسم، فسوف تصبح الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى تحديد النهاية بإنجاز مُرضٍ بدلاً من الإرهاق الكامل. في هذه الحالة، ستزداد احتمالية وجود فجوة بين النتيجة التي ترغب الولايات المتحدة في قبولها والنتيجة التي تعتبرها إسرائيل ضرورية. ومن هنا تأتي أهمية الفترة المقبلة. وقد تكون الأيام المقبلة اختباراً حاسماً ليس على المستوى العسكري فحسب، بل على المستويين الدبلوماسي والسياسي أيضاً. وإذا تمكنت الإدارة الأميركية من تقديم إنجاز آخر يمكن تفسيره على أنه نهج حقيقي لتحقيق الأهداف القتالية، فقد تحاول استخدامه كنقطة انطلاق. وإلا فإنكم ستواجهون خياراً صعباً بين توسيع نطاق الحملة وإنهائها بشروط لا تستنفد الطموحات والأهداف المرسومة في البداية. التبعات بالنسبة لإسرائيل من وجهة نظر إسرائيل، فإن الاستنتاج الرئيسي هو أنه يجب عليها الاعتراف بأن الفترة الزمنية المتاحة للولايات المتحدة في هذه الحملة محدودة. لذلك، يجب على إسرائيل العمل على مستويين متوازيين: الأول، هو السعي الحثيث لتحقيق إنجازات تشكل، من وجهة نظرها، عناصر أساسية لتحقيق الهدف المنشود، وهي: إحداث أضرار تراكمية بالقدرات النووية والصاروخية ووكلاءها، فضلا عن الحفاظ على حرية العمل لضمان استمرار فرض العقوبات والردع. أما المستوى الثاني فهو إجراء حوار مكثف مع واشنطن بهدف تضييق الفجوة قدر الإمكان بين الهدف الإسرائيلي وعتبة الإنجاز الأميركي. وفي الوقت نفسه، يجب على إسرائيل أن تأخذ في الاعتبار أن الخطوات التي تعتبرها واشنطن بمثابة توسيع غير منسق للأهداف، خاصة تلك التي قد تؤثر على سوق الطاقة العالمية، قد تزيد من الضغوط الأمريكية لوقف الحملة. لذلك، وبعيداً عن الرغبة في تعظيم الإنجازات، فمن المهم تجنب أي تحركات قد تعجل بتحول الولايات المتحدة من سياسة تعظيم الإنجاز العسكري إلى سياسة الاحتواء. باختصار، القضية المحورية بالنسبة لإسرائيل لا تقتصر فقط على حجم الإنجاز العسكري الذي ستحققه في إيران، بل تمتد إلى قدرتها على التأثير في كيفية تحديد الهدف النهائي في واشنطن. وكلما بات من الواضح أن “انتصار” الإدارة الأميركية يعني إضعاف إيران واحتوائها، وليس إحداث تغيير جذري، كلما تعاظم التحدي الإسرائيلي المتمثل في ضمان ألا يقتصر الهدف النهائي على إضعاف إيران مؤقتاً، بل تقييدها في الأمد البعيد. منظر علوي/INSS 18/03/2026




