وطن نيوز
يقود الأوركسترا الأمريكية الآن ثلاثة قادة يُطلب منهم قيادة ثلاث حركات منفصلة، لكل منها إيقاعها وقوتها الخاصة، وربطها معًا في سيمفونية كاملة. ويتولى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مسؤولية المفاوضات مع إيران ويطلب منه التركيز على الملف النووي. ويسعى وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي لم يكن مشاركاً نشطاً في محادثات جنيف، إلى إعادة بناء الثقة المتضررة بين دول الخليج والولايات المتحدة. وفوق كل شيء، يبذل الرئيس الأميركي جهوداً حثيثة لإقناع الناس بأن العمل الذي صاغه ليس فقط متنافراً ولا معنى له، بل هو «نظام جديد» أرسته الولايات المتحدة، وأن مذكرة التفاهم هي «استسلام إيران غير المشروط»، على حد وصفه. ولا يخفى على أحد أن إسرائيل في هذا المشروع المنسق مجرد متفرج مجبر على المشاركة، وكل ما تستطيع فعله هو السعال بقوة ومحاولة الإزعاج، على أمل أن تتمكن من إيقاف هذه الفرقة الموسيقية قبل طردها من القاعة. أما زيارة روبيو هذا الأسبوع إلى الإمارات والكويت والبحرين، وهي الأولى له منذ اندلاع حرب الخليج، فهي لا تهدف إلى تنسيق السياسة الإقليمية، لأن زيارته لم تشمل السعودية وقطر وسلطنة عمان. ويهدف روبيو إلى طمأنة الدول الثلاث التي عانت من الهجمات الإيرانية، وضمان استمرار التعاون العسكري وإقناعها بأن أمريكا لا تنوي التسامح مع التسامح في تعاملاتها مع إيران. ولكن من المتوقع أن تظهر هذه البلدان ـ التي يشعر بعضها، مثل إسرائيل، بأنها مهجورة ـ قدراً عظيماً من عدم الثقة. وبينما يوضح روبيو أن أمريكا ستعارض بشدة الشروط التي حددتها إيران للعبور الحر في مضيق هرمز، ويعلن ترامب من واشنطن أن إيران تعهدت بعدم تحصيل رسوم العبور، بل ويهدد بوقف المفاوضات إذا خرقت هذا الاتفاق، فإن إيران لديها تفسير مختلف. وبحسب طهران، فقد تعهدت بالفعل بعدم تحصيل رسوم العبور، ولكن فقط خلال فترة التفاوض، أي 60 يومًا. أما هي، سواء استمرت المفاوضات أم لا، وسواء تم توقيع الاتفاق أم لا، فهي تعتزم في هذه الفترة ممارسة حقها في تحصيل رسوم «المساعدة الملاحية والخدمات الأمنية». وبالفعل بدأت إيران التفاوض مع سلطنة عمان، حيث توجه رئيس الوفد الإيراني محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى سلطنة عمان يوم الاثنين. وفي بيان مشترك لسلطنة عمان وإيران صدر الثلاثاء، أعلنت الدولتان تشكيل “فريق عمل مشترك” لبحث إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز والخدمات البحرية التي ستقدم هناك والتكاليف المرتبطة بها “بالتنسيق مع دول الخليج الأخرى ووفقا للقانون الدولي”. ولكن هذا لا يقتصر على المحور العماني الإيراني الذي من المفترض أن يتحايل على الجهود الأميركية الرامية إلى تشكيل جبهة خليجية موحدة ضد طموحات إيران؛ وكان رئيس الوزراء القطري محمد عبد الرحمن آل ثاني قد وصل إلى سلطنة عمان أمس، للترويج لتشكيل فريق تفاوض مشترك بين إيران ودول الخليج. ويهدف هذا الطاقم إلى مناقشة مسألة العبور في مضيق هرمز والتنسيق المشترك للملاحة ومسألة تحصيل رسوم الخدمة. ويبدو أن هذه مبادرة خليجية مستقلة، لا علاقة لها ظاهريا بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وهي مبنية على افتراضات أساسية قد تحدد سلوك دول الخليج تجاه إيران في المستقبل. أولاً، يشير إلى أن الولايات المتحدة لن تتمكن من الضغط على إيران فيما يتعلق بمسألة السيطرة الإدارية على مضيق هرمز. أما الثاني، المنبثق عن الأول، فيرى أنه من الأفضل لدول الخليج أن تبادر إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل أن يقدم ترامب نفسه تنازلات قد تمنح إيران سيطرة مفرطة على العبور عبر المضيق. ولا تشير هذه الافتراضات إلى أزمة ثقة في قدرة الولايات المتحدة على التفاوض بفعالية مع إيران فحسب، بل تشير أيضا إلى الحاجة الملحة لصياغة سياسة خليجية مستقلة تعتبر إيران شريكا لا غنى عنه، ليس فقط في مسألة الملاحة في الخليج. على سبيل المثال، سيتعين على دول الخليج، وخاصة السعودية، التنسيق مع إيران فيما يتعلق بتسويق النفط، بعد الرفع المؤقت للعقوبات الأميركية، ومناقشة مسألة إنشاء «صندوق إعادة الإعمار» بمبلغ 300 مليار دولار، الذي وعدت به إيران، وقبل ذلك مسألة الإفراج عن 12 مليار دولار (من أصل 24 مليار دولار) مجمدة في بنوك العالم. ومن المهم الإشارة إلى أن جزءًا كبيرًا من الأموال الإيرانية تم إيداعها في دول الخليج. وفي قطر 6 مليارات دولار، والعراق يحتفظ بـ10-15 مليار دولار، وهي مستحقة لإيران مقابل شراء الكهرباء والغاز، إضافة إلى بضعة مليارات كانت مودعة في بنوك الإمارات. ويعتبر الخلاف حول الإفراج عن الـ12 مليار دولار الأولى، الاختبار الأول لـ«الموقف الثابت للولايات المتحدة» من تنفيذ مذكرة التفاهم. ومن وجهة نظر إيران فإن الإفراج عن كمية أولية يعتبر دليلا على جدية الولايات المتحدة، وأن التفاهمات ليست مجرد أوراق دبلوماسية، بل وسيلة حقيقية لتنفيذ الالتزام. بالنسبة لدول الخليج، هذه هي اللحظة التي قد يحدث فيها الخطأ الكلاسيكي: الدفع مقدماً قبل ملاحظة أي تغيير في السلوك، وقبل الحصول على الضمانات الكافية في موضوع الأمن والملاحة والتصعيد الإقليمي. ورغم أن دول الخليج ليست مستقلة في قرارها بشأن الإفراج عن الأموال الإيرانية، إلا أنه في حال تم إنشاء آلية تفاوض موازية بين دول الخليج وإيران، فإن هذه الآلية ستعمل على صياغة قواعد جديدة، ليس فقط فيما يتعلق بإدارة الملاحة في الخليج، ولكن أيضًا فيما يتعلق بالعلاقة المستقبلية بين إيران ودول الخليج، مما سيؤثر على توجهات واشنطن، بما في ذلك مسألة الإفراج عن الأموال. وأوضح وزير الخارجية السعودي أن هجمات إيران تسببت في “خسارة كبيرة للثقة”، وأن هذه الثقة تحتاج إلى إعادة البناء قبل أن يتم أي تعاون اقتصادي. وأصدرت وزارة الخارجية القطرية نسخة أكثر اعتدالا، جاء فيها أن “هناك حاجة للحوار والاتفاق حول كيفية ضمان الأمن في المنطقة”. لكن الصيغتين تشيران إلى الاعتراف بضرورة إجراء حوار عربي مع إيران وليس الاكتفاء بالمراقبة من بعيد في انتظار نتائج المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وهذا الموقف الذي يعتبر إيران شريكاً متساوياً مع دول الخليج، يمنح طهران نفوذاً سياسياً قد تستغله في المفاوضات مع الولايات المتحدة. ومن المفارقات أن الدول التي تعرضت لضربات شديدة من إيران قد تعود إلى دورها قبل الحرب: إطار سياسي واقتصادي يسمح لإيران بمقاومة الضغوط والتهديدات الأميركية. وسيعمل روبيو على إقناع دول الخليج بأن الولايات المتحدة لا يزال بإمكانها أن تكون مهندس نظام الأمن الإقليمي، وليس مجرد قوة تتفاعل مع الأزمات بعد حدوثها. إن المسار الذي يواجه إيران لا يأتي على حساب مصالح حلفاء واشنطن. لكنه قد يواجه واقعاً جديداً تكون فيه دول الخليج هي التي تصوغ طرقاً منفصلة خاصة بها. وفي هذا السياق، تكتسب المفاوضات بين إسرائيل ولبنان أهمية أوسع. وحرص روبيو على التأكيد على أن واشنطن ستتحدث مباشرة مع الحكومة اللبنانية ذات السيادة حول القضايا بينها وبين إسرائيل، بشكل مستقل عن الإطار الأمريكي مع إيران. ومع ذلك، من الصعب عمليا الفصل بين هذين المجالين بشكل كامل. وإذا فشلت مذكرة التفاهم مع إيران في اختبار مضيق هرمز والأموال المجمدة وبناء الثقة مع دول الخليج، فإن فرصة الاستقرار على الجبهة اللبنانية ستتضرر أيضاً. تسفي باريل هآرتس 25/06/2026



