فلسطين المحتلة – ما هو صحيح في غزة سيكون كارثة في لبنان

اخبار فلسطين31 مايو 2026آخر تحديث :
فلسطين المحتلة – ما هو صحيح في غزة سيكون كارثة في لبنان

وطن نيوز

د. هرئيل حورب إلى جانب إيران، تواجه إسرائيل حالياً ساحتين رئيسيتين: قطاع غزة ولبنان. وعلى الرغم من الإحباط المفهوم من أن الحرب لم تنته بانتصار كامل، فمن الجدير بالذكر أن الجيش الإسرائيلي حقق إنجازات مهمة. وجه ضربات قوية لحماس وحزب الله، ودفعهما إلى القتال من أجل البقاء، ونجح في كسر الرباط الذي حاولا ترسيخه بينهما من خلال استراتيجية «توحيد الساحات». لكن إسرائيل لا تزال تتعامل مع هاتين المنظمتين اللتين تمتلكان القوة العسكرية وتتحدىان حدود السيادة في كل من لبنان وغزة، وتواجه سؤالاً استراتيجياً جوهرياً: كيف يمكن تحويل الضربة القوية التي تلقتها قوة المنظمتين إلى ترتيب مستقر يمنع إعادة تأهيلهما؟ قطاع غزة على الرغم من صمود حماس، بدأت تظهر مؤخراً ظروف سياسية أكثر ملاءمة لإسرائيل. حمل نيكولاي ملادينوف، مبعوث مجلس السلام، حركة حماس مسؤولية عدم إحراز تقدم في إعادة إعمار قطاع غزة، ورفضها نزع السلاح في المحافل الدولية لعدة أسابيع. ويدعو ملادينوف المجتمع الدولي إلى الضغط على المنظمة، ولا يخفي حتى تشككه في إمكانية نزع السلاح النووي دون استخدام إسرائيل للقوة. ومن وجهة نظر إسرائيل فإن تحميل مبعوث حماس إلى مجلس السلام المسؤولية يشكل نقطة انطلاق مناسبة تترجم إلى واقع. وفي الأشهر الأخيرة، بدأت العقوبات المفروضة على إسرائيل مع وقف إطلاق النار تتلاشى تدريجياً، ومعها الخوف من تدويل السيطرة على قطاع غزة. صحيح أن مقر التنسيق المدني العسكري الدولي الذي تم إنشاؤه في كريات جات كان يقيّد في البداية حرية إسرائيل في العمل، لكن هذا المقر أثبت بشكل متزايد أنه أقل تقييدًا مما كان يُعتقد سابقًا، بل إن العديد من التقارير أشارت إلى أن الولايات المتحدة تفكر في إغلاقه أو على الأقل إعادة تنظيمه. في الوقت نفسه، تتلاشى مخاوف إسرائيلية أخرى، أبرزها الخوف من دخول القوات القطرية والتركية إلى القطاع. وتظهر هذه التطورات، كالعادة، مدى أهمية النظر إلى الأمور من منظور أوسع لفهم العمليات في أبعادها الصحيحة. ومن وجهة نظر إسرائيل فإن تحميل مبعوث مجلس السلام المسؤولية عن حماس يشكل نقطة انطلاق مناسبة تترجم إلى واقع ملموس. وهكذا، كثف الجيش الإسرائيلي، في الأسابيع الأخيرة، نطاق سيطرته النارية المباشرة وغير المباشرة على نحو 63% من أراضي قطاع غزة. وتنفذ عمليات مكافحة الإرهاب ضد أعضاء حماس بشكل شبه يومي، وقد نجح الجيش الإسرائيلي مؤخراً في القضاء على فلول القيادة العسكرية لحماس المتورطة في التخطيط لمذبحة 7 أكتوبر/تشرين الأول. يُظهر اغتيال محمد عودة، الذي شغل منصب رئيس الجناح العسكري لمدة تزيد قليلاً عن أسبوع بعد اغتيال عز الدين الحداد، أن إسرائيل تسعى إلى خلق زعزعة استقرار وظيفية مستدامة في حماس تمنعها من إنشاء نظام قيادي واستدامة عملها. والرسالة واضحة: حتى بعد وقف إطلاق النار، فإن قيادة حماس ليست محصنة ضد المخاطر ما دامت الحركة ترفض التخلي عن قوتها العسكرية. ومن أهم نتائج هذه الهشاشة تحول مركز الثقل من قيادة غزة إلى القيادة الخارجية. منذ انتخاب يحيى السنوار قائدا لقطاع غزة في عام 2017، سيطرت قيادة غزة والجناح العسكري بشكل فعال على القرارات الاستراتيجية لحماس. وأود أن أؤكد أن القيادة الأجنبية لا تختلف عن قيادة غزة في أهدافها الاستراتيجية، فكلاهما يسعى علناً إلى تدمير دولة إسرائيل. لكن هناك شخصيات بارزة في القيادة الخارجية، وعلى رأسها خالد مشعل، مستعدة، لأسباب عملية بحتة، لتقديم تنازلات تمكن الحركة من الصمود في وجه الواقع الكارثي الذي تجد نفسها فيه نتيجة الاستراتيجية المتطرفة التي فرضها السنوار والجناح العسكري على كافة أطياف الحركة. ولكن حتى السياسة الأكثر واقعية من غير المرجح أن تؤدي إلى نزع السلاح أو التراجع الحقيقي عن موقعها المهيمن في قطاع غزة. ولذلك، فإن احتمال اضطرار إسرائيل إلى العودة إلى القتال في غزة – هذه المرة دون القيود المفروضة على الرهائن الذين يعملون كدروع بشرية – يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحا، كما يتوقع ملادينوف. وإذا كان هذا هو الخيار الأبرز حقاً، فيتعين على إسرائيل أن تنجز مهمتين مترابطتين: أولاً، إعداد الرأي العام العالمي لاتخاذ إجراءات لا تخدم مصالح إسرائيل الأمنية فحسب، بل وتخفف أيضاً من معاناة سكان قطاع غزة، الذين تعرقل حماس إعادة تأهيلهم، كما يؤكد الوسطاء الدوليون. ثانياً، هناك حاجة إلى تخطيط دقيق وفعال لإجلاء الناس من مناطق القتال، بهدف تقليل الضرر الذي يلحق بالأبرياء والانتقادات الدولية. يجب أن تكون رسالة البعثتين واضحة: الحل الحقيقي للوضع في قطاع غزة كان ولا يزال يتمثل في تشكيل حكومة بديلة قوية تفيد السكان ولا تهدد إسرائيل. حزب الله في لبنان تم استبدال خطط حزب الله للسيطرة على الجليل بشريط يبلغ طوله حوالي عشرة كيلومترات تحتله إسرائيل على طول جنوب لبنان. ولا يمكن مقارنة الظروف في هذا القطاع بالمنطقة الأمنية التي سيطرت عليها إسرائيل حتى مايو/أيار 2000، عندما اضطرت إلى العمل وسط السكان المحليين، مع كل القيود التي فرضتها. واليوم، أصبحت هذه المنطقة خالية من سكانها الشيعة، ودمرت أجزاء كبيرة من مستوطناتها بسبب البنية التحتية العسكرية التي بناها حزب الله هناك. وفي الأيام الأخيرة، كثف الجيش الإسرائيلي ضغوطه ووسع نطاق سيطرته على المنطقة. ومن ناحية أخرى، فإن حزب الله لا يقف مكتوف الأيدي مثل حماس، بل ينخرط في معركة منسقة وحازمة تلحق بإسرائيل خسائر فادحة. وتواجه إسرائيل في الواقع خيارين رئيسيين: الأول، التحرك الشامل للقضاء على حزب الله، كما تطالب بعض الأصوات في الخطاب العام. ولكنه هدف غير واقعي، وهو مكلف للغاية من حيث أرواح الجنود، والموارد، والشرعية الدولية. فضلاً عن ذلك فليس هناك ما يضمن القضاء على حزب الله حتى لو احتلت إسرائيل كل لبنان، وذلك لأن حزب الله ليس منظمة عسكرية فحسب، بل إنه أيضاً حركة اجتماعية جماهيرية تدعمها أغلبية الطائفة الشيعية في لبنان. وهذا لا يعني أن إسرائيل ستتخلى عن خطوة عسكرية واسعة النطاق وقوية من شأنها أن تلحق أضرارا جسيمة بقوات حزب الله وبنيته التحتية. لكن أيديها مكبلة في هذه المرحلة بسبب القيود الأميركية المتعلقة بالمفاوضات مع إيران. لذا، يتعين عليها في الوقت الحالي أن تلجأ إلى خيار بديل: الاستمرار في إضعاف حزب الله، وهو ما يتضمن، كما هي الحال في غزة، إحباط البنية الأساسية وتدميرها، فضلاً عن استغلال الاضطرابات الناجمة عن العدد الهائل من اللاجئين. إنه طريق طويل وشاق، وينتج عنه تآكل سياسي واجتماعي وعسكري مستمر في إسرائيل أيضًا، دون نهاية واضحة. ولكن يمكن أيضًا تقصيرها. الخلاف الذي اندلع قبل أيام بين الوزير سموتريش ورئيس الوزراء يمس جوهر المشكلة. واقترح سموتريش هدم مبنى مقابل كل طائرة مسيرة تهاجم قواتنا، فيما رد نتنياهو ساخرا متسائلا عما إذا كان تدمير 30 مبنى يتطلب تدمير 30 طائرة مسيرة. وفي بيان آخر، أكد نتنياهو أن مؤسسة الدفاع تبحث عن حلول لتهديد الطائرات بدون طيار. وحتى من دون الخوض في السياسة، ينبغي أخذ نقطتين مهنيتين في الاعتبار: أولاً، في غياب حل تقني فعال لاعتراض الطائرات بدون طيار الموجهة بالألياف الضوئية، فإن الأداة الوحيدة التي تملكها إسرائيل لإجبار حزب الله على إعادة حساب جدوى عملياته هي خلق معادلة غير متكافئة بين إطلاق هذه الطائرات بدون طيار والرد عليها. والقيود الأميركية التي تمنع إسرائيل من العمل في بيروت لا تمنعها من الرد، على سبيل المثال، بتدمير مباني حزب الله في النبطية أو صور. ليس عدد المباني التي دمرتها كل طائرة بدون طيار هو المهم، طالما أن تكاليف هذه المعادلة غير المتكافئة واضحة ومتسقة وفعالة. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الادعاء الذي يثار بين الحين والآخر بأن هدم المنازل لا يؤثر على الشيعة أو الفلسطينيين في قطاع غزة لا أساس له من الصحة. إن فقدان المنزل، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن عدم قدرة حزب الله، وبالتأكيد حماس، على تعويض الضحايا، يشكل صدمة نفسية حادة ومستمرة. ثانياً، بعد سنوات عديدة من الاعتماد على الحلول التقنية لمواجهة التهديدات الصاروخية والجوية التي قضى عليها هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، كان من المتوقع أن يتغير الخطاب. ويجب استبدال الوعود بإيجاد حل تقني قادر على احتواء العدو بسياسة هجومية تستهدف جذور المشكلة. إن البحث عن حلول دفاعية أمر ضروري ومهم بلا شك، لكنه لا يحل محل سياسة استباقية، خاصة أن الجنود والمدنيين المعرضين للخطر في الشمال ليس لديهم الوقت الكافي لانتظار مثل هذا الحل. ن12 – 31/5/2026