وطن نيوز
يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة واقعا ميدانيا متغيرا يتسم بتوسيع السيطرة الجغرافية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد نحو 200 يوم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وبدلا من الانسحاب التدريجي، أدخلت سلطات الاحتلال ما يعرف بـ”الخط البرتقالي”، وهو ترسيم جديد يتجاوز “الخط الأصفر” الذي تم الاتفاق عليه في أكتوبر 2025. ويشكل هذا التحول خرقا واضحا للتفاهمات التي نصت على فصل مناطق سيطرة الجيش في الشرق عن المناطق التي يسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها في الغرب. وبموجب هذا التقدم الجديد، ضم الاحتلال مناطق إضافية من قطاع غزة، محولاً المناطق التي كانت تصنف على أنها أماكن آمنة إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة. وأكد القيادي في حركة حماس باسم نعيم، أن الاحتلال قام بتحريك الخط الأصفر باتجاه المناطق الغربية بمساحة إضافية تقدر بنحو 8 إلى 9 بالمئة. وهذا الإجراء يرفع إجمالي المساحة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي إلى أكثر من 60 بالمئة من إجمالي مساحة قطاع غزة، مما يزيد الضغط على السكان. من جانبها، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها العميق إزاء هذه التطورات، حيث أشار المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك إلى أن إسرائيل وسعت احتلالها من خلال تحديد “الخط البرتقالي”. وأوضح دوجاريك أن المنظمة تلقت خرائط تتضمن هذا الخط الجديد الذي يفرض قيودا إضافية على حركة المساعدات الإنسانية. وأفادت مصادر أممية أن الاحتلال طلب من فرق الإغاثة تنسيق تحركاتها مسبقا عند عبور هذا الخط، الأمر الذي اعتبره دوجاريك مؤشرا على أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح. وتعكس هذه المطالب الإسرائيلية رغبة في تحويل المناطق الغربية إلى مناطق أمنية غير مستقرة تابعة لإدارة الجيش. ولم يكن الإعلان عن «الخط البرتقالي» مفاجأة للمراقبين، بل جاء نتيجة سلسلة من الإجراءات الميدانية، شملت تسوية الأراضي وإزالة مكعبات الأسمنت الصفراء. وأكد شهود عيان أن الجيش يعمل منذ أشهر على نقل هذه العلامات الحدودية الافتراضية إلى أماكن أعمق داخل أراضي المواطنين. وأدى هذا الانتهاك المتكرر إلى موجات تهجير جديدة، حيث اضطرت عشرات العائلات الفلسطينية إلى ترك منازلها وخيامها في خان يونس وحي الزيتون وجباليا والتوجه غربا. ورافق هذا التقدم قصف جوي ومدفعي استهدف كل من يقترب من الخطوط الجديدة، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى. ويشكل الخط الأصفر خطا حدوديا جديدا وخط دفاع متقدم للمستوطنات وقاعدة عسكرية لتنفيذ هجمات سريعة. ونددت حركة حماس في بيان رسمي بهذه الانتهاكات، معتبرة أن إزالة الخطوط الملونة تمثل دليلا واضحا على تنصل حكومة نتنياهو من جهود الوسطاء. وقالت الحركة إن الاحتلال يسعى لإفشال الاتفاق من خلال فرض واقع جغرافي وأمني جديد يتناقض مع روح التفاهمات الدولية المبرمة. وأشارت حماس في مذكرة تفصيلية، إلى أن الاحتلال فرض مناطق إضافية للسيطرة على النيران وصلت إلى عمق إضافي يصل إلى 1700 متر في بعض المناطق، خاصة شمال قطاع غزة. وبلغت مساحة هذه السيطرة النارية نحو 34 كيلومترا مربعا، وهو ما وصفته الحركة بـ”التقويض فعليا” لمبدأ إعادة الانتشار والانسحاب التدريجي. وتعيد هذه الإجراءات تشكيل حياة أكثر من مليوني فلسطيني، حيث أصبحوا محصورين في مساحة لا تتجاوز 38 بالمئة من إجمالي مساحة القطاع. ويعيش السكان القريبون من هذه الخطوط تحت التهديد المستمر بالمسيرات والقصف المدفعي، مما يجعل حياتهم اليومية جحيما مستمرا وسط أوضاع إنسانية كارثية. وفي الجانب الإسرائيلي، تظهر التصريحات الرسمية نية واضحة لتحويل هذه الخطوط إلى حدود دائمة، حيث وصف رئيس الأركان إيال زمير الخط الأصفر بـ«الحدود الجديدة». واعتبر زمير أن هذه المناطق تشكل قاعدة عسكرية متقدمة لحماية المستوطنات وتنفيذ عمليات هجومية سريعة داخل ما تبقى من القطاع. وفي السياق نفسه، أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش لن يتراجع مليمتراً واحداً عن هذه المواقع حتى تحقيق أهداف الحرب ونزع سلاح المقاومة. كما عزز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذه الاتجاهات بإعلانه أن أكثر من نصف قطاع غزة يقع فعلياً تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وتأتي هذه التطورات على الأرض في ظل الركود السياسي الذي يحيط بالمناقشات الهادفة إلى تفعيل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وتصطدم الجهود الدبلوماسية بمتطلبات إسرائيلية معقدة، في وقت تطالب الأطراف الفلسطينية بضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى ووقف التجاوزات الجغرافية. يُشار إلى أن قطاع غزة يعاني من دمار هائل طال 90% من بنيته التحتية نتيجة الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، والتي تسببت بخسائر بشرية ومادية غير مسبوقة. وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، في ظل استمرار سياسات التجويع والحصار وإغلاق المعابر الحيوية.
فلسطين المحتلة – مخطط الخط البرتقالي: ضم إسرائيلي جديد يبتلع 60% من قطاع غزة



