اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-19 17:19:00
لنكن صادقين مع أنفسنا ولو لمرة واحدة… مشكلة ملف المقاصة لم تعد أن إسرائيل تحجب الأموال، هذه حقيقة معروفة للجميع… المشكلة لم تعد في حجم الاستقطاعات أو عدد الأشهر التي تتأخر فيها التحويلات… المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر تماما. المشكلة أن إسرائيل أصبحت على يقين تام بأن السلطة الفلسطينية، مهما اشتدت الخناق المالي عليها، ومهما تراجعت قدرتها على دفع الرواتب، ومهما ارتفع حجم الديون والعجز، ستستمر في النهاية في القيام بكل ما هو مطلوب منها للحفاظ على استمراريتها ومنع… انهيارها. هذا هو المفتاح. ولا تمنع إسرائيل أموال المقاصة لأنها تحتاج إليها ماليا. ولا تقتطع منها لأنها تبحث عن إيرادات إضافية. وتستخدم إسرائيل المقاصة لأنها اكتشفت أنها السلاح الأرخص والأكثر فعالية في إخضاع السلطة وإبقائها في حالة من الإرهاق الدائم. وهي تعلم أن الموظف الفلسطيني سيتضرر. وهي تعلم أن الاقتصاد الفلسطيني سوف يتراجع. وهي تعلم أن الغضب الشعبي سوف يتصاعد. لكنها تعرف أيضاً شيئاً آخر هو الأهم، وهو أن السلطة ستستمر في محاولة التكيف مع الأزمة مهما بلغت حدتها، وستبحث عن القروض. ستؤجل الرواتب، وتضغط النفقات، وتجذب العالم، لكنها في النهاية ستمنع سقوطها. بمعنى آخر، إسرائيل لا تراهن على قوتها فحسب، بل تراهن على ردة فعل السلطة. وهنا تكمن خطورة المعادلة. وكلما امتنعت إسرائيل عن تقديم الأموال، وكلما أثبتت السلطة أنها قادرة على امتصاص الضربة والانتظار، كلما زاد يقين إسرائيل بأن هذه السياسة ناجحة ويجب أن تستمر. ولهذا السبب فإن السياسة الإسرائيلية لا تتغير.. لأنها ببساطة تحقق أهدافها. أخطر ما في المشهد ليس أن السلطة تقف اليوم على حافة الهاوية، بل أن إسرائيل أصبحت واثقة من أن السلطة لن تسمح لنفسها بالسقوط مهما اشتدت الضغوط. وهذا اليقين الإسرائيلي هو مصدر القوة الحقيقي الذي يمنح المقاومة تأثيرها. في عالم السياسة، لا تكمن القوة دائما في الأدوات التي تمتلكها، بل في يقين خصمك من الكيفية التي ستتصرف بها. عندما يعرف خصمك مسبقاً ما ستفعله، وما لن تفعله، وما هي حدود رد فعلك، يصبح قادراً على إدارة الصراع بأقل تكلفة ممكنة. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم. إسرائيل لا تدير أزمة المقاومة من موقع الخوف من رد الفعل الفلسطيني، بل من موقع الاطمئنان إلى أن رد الفعل الفلسطيني أصبح معروفا ومحسوبا مسبقا. ولذلك فإن الرهان على مرور الزمن، أو على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، أو على تغيير الحكومة هنا أو هناك، ليس إلا هروباً من الحقيقة الأساسية.. حكومات إسرائيلية تتغير.. ائتلافات تسقط وتتشكل.. وزراء يأتون ويذهبون.. لكن سياسة المقاصة باقية.. لماذا؟ لأن النتائج التي تحققها لإسرائيل لا تزال مضمونة.. لذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه أصحاب القرار الفلسطيني اليوم ليس: كيف نستعيد أموال المقاصة؟ بل: كيف نكسر اليقين الإسرائيلي بأننا سنتحمل كل شيء في النهاية؟ فكيف نجعل الاستمرار في حجب الأموال أكثر تكلفة من الإفراج عنها؟ فكيف نحول الاستقرار الذي تعتبره إسرائيل مضمونا إلى مصلحة تتطلب منها تغيير سلوكها؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية… إن الاستمرار في إدارة الأزمة بنفس الأدوات، وانتظار نتائج مختلفة، لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: مزيد من الاستنزاف… ومزيد من التخفيضات… ومزيد من الأزمات… ومزيد من الرهانات الإسرائيلية على أننا مهما حدث فإن طرقنا ضيقة. وسنواصل دفع ثمن المعادلة التي صممتها. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قيادة ليس قوة خصمها.. بل أن يتحول سلوكها المتوقع إلى جزء من قوة خصمها.. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في ملف المقاصة..




