اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-18 17:06:00
قد تبدو انتخابات بيت لحم 2026 وكأنها مشهد ديمقراطي حي: 73 مرشحا، وخمس قوائم انتخابية، ونحو 22 ألف ناخب. ورغم أن عدد القوائم أقل مما كان عليه في الجولة السابقة، إلا أن خفض نسبة الخصم من 7% إلى 5% زاد من فرص تجاوز معظمها لنسبة الخصم، ما يجعل النتائج متوقعة بشكل كبير مقدما إذا تم تحليل التوزيع الاجتماعي. أما بالنسبة لنسبة المشاركة، فمن المرجح أن تظل ضمن حدود متواضعة، حتى لو كانت أعلى نسبياً مما كانت عليه في السنوات السابقة بسبب النظام الانتخابي الجديد والقائمة المفتوحة. لكن من خلف هذا المشهد يبرز سؤال محوري: هل نحن أمام تعددية سياسية حقيقية ومنافسة برامجية قادرة على إحداث التغيير بقيادة قوى المجتمع المدني، أم أننا أمام إعادة إنتاج التشرذم الاجتماعي بأدوات ديمقراطية توظف لأغراض فردية؟ لقد قدمت المناقشة الانتخابية جزءا مهما من الجواب. وعلى الرغم من التباين المحدود بين المتحدثين، إلا أن مستوى العرض العام بدا ضعيفا من الناحية الهيكلية. وكانت أغلب الإجابات عامة، ومنفصلة عن الواقع، وتفتقر إلى الفهم الدقيق للتحديات الفعلية التي تواجه البلدية. وغابت الأولويات التنفيذية والرؤية المتكاملة لإدارة الموارد وتحسين جودة الخدمات وتعزيز مكانة المدينة الاقتصادية والسياحية، ولم تكن هناك توجهات استراتيجية يمكن الاعتماد عليها. بل إن بعض الإجابات عكست ارتباكاً في فهم دور البلدية وأدواتها وحدود صلاحياتها ضمن منظومة الحكم المحلي. فما تم تقديمه لم يكن برامج بقدر ما كان عناوين، ولم يكن حلولاً بقدر ما كان وعوداً. وهذا لا يعكس الأداء الضعيف في المناقشة فحسب، بل إنه يكشف عن خلل أعمق في الاستعداد لتولي الشؤون العامة. وفي هذا السياق، لم تعد البرامج الانتخابية معياراً حقيقياً للاختيار ولا تعبيراً عن الالتزام الفعلي. التجربة السابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة: تراجع الأداء المؤسسي، وضعف تنظيم السوق، والديون المتراكمة، وارتفاع التكاليف التشغيلية، وأزمة مستمرة في إدارة ملف الهدر. يضاف إلى ذلك إرث المحاصصة والصراعات الداخلية والتراخي الإداري، إضافة إلى ممارسات التوظيف خارج الاحتياجات الفعلية، وشغور المناصب القيادية الأساسية -مثل المدير الهندسي والمالي ومدير البلدية- لفترات طويلة دون حسم. وفي ظل هذا الواقع، تراجعت القدرة المؤسسية إلى درجة تدخل الحكم المحلي في بعض صلاحياته، وهو مؤشر واضح على فقدان جزء من الاستقلال الإداري. كما تراجع تصنيف البلدية لدى صندوق الإقراض والتنمية البلدية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حجم التخصيصات، وحد من القدرة على تنفيذ المشاريع التنموية التي كانت بمثابة رافعة للمدينة. لكن أكثر من نصف أعضاء المجلس السابق يشاركون في هذه الانتخابات بخطاب «تغيير» يخالف نتائجها السابقة، وهو ما يحول الوعود إلى إعادة صياغة للمعادلة ذاتها. وشكل القوائم، في هذا السياق، لا يعكس بالضرورة التنوع الصحي بقدر ما يكشف عن أزمة اجتماعية. وغياب الدور الفعال للأحزاب والمؤسسات، على الرغم من الانتماءات السياسية الكامنة، ترك فراغا ملأه العائلة والمنطقة والطائفة والعشيرة. أعادت تشكيل الاصطفاف على هذا الأساس، وتحولت القائمة إلى امتداد اجتماعي، وكان الترشيح على أساس مباركة عشائرية أو عائلية، وليس على إطار حزبي قائم على برنامج وكفاءات. وهذا التحول لا يضعف جودة التمثيل فحسب، بل ينعكس لاحقاً على أداء المجلس، حيث تصبح القرارات نتاج التوازنات، وليس السياسات العامة. وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكر ما طرحه توماس هوبز حول ميل الجماعات، في ظل غياب إطار منظم وقوي، إلى التراجع نحو مصالحها الضيقة بحثا عن الأمان. إن ما نعيشه اليوم ليس انهياراً كاملاً، ولكنه ينطوي على سمات المنافسة غير المنظمة التي تسيطر عليها اعتبارات ضيقة أكثر من كونها رؤية عامة. وهذا يضعف فكرة “العقد الاجتماعي” الذي من المفترض أن تقوم عليه العلاقة بين المجتمع وممثليه. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت اتجاهات فردية واضحة، حيث يسعى العديد من المرشحين للوصول إلى مناصب صنع القرار كمدخل لبناء النفوذ وشبكات العلاقات، وليس ضمن مشروع جماعي متماسك. إن ظاهرة القوائم الزائدة لا تعكس اختلافاً في الرؤية بقدر ما تعكس تعدد مسارات الوصول. وفي هذا السياق تغيب المعايير التي أشار إليها جون لوك في ربط الشرعية بقدرتها على حماية الصالح العام وإدارة الموارد بكفاءة، مما يحول العملية الانتخابية إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ وليس أداة للحكم الرشيد. نظام القائمة المفتوحة الذي كان من المفترض أن يمنح الناخب صلاحيات أكبر في ترتيب المرشحين ضمن القائمة وعدد المقاعد للقائمة الواحدة، أدى عملياً إلى تفكيك القوائم من الداخل. ولم يعد التنافس يقتصر بين القوائم فحسب، بل داخلها أيضاً، حيث يسعى كل مرشح إلى تحالفات ضمن قائمة واحدة تزيد فرصته الفردية وتقدمه داخل القائمة، حتى لو كان ذلك على حساب الانسجام العام. وهذا النمط من التنافس -الذي ظهر بوضوح في الخطاب الانتخابي وطريقة تقديم المرشحين لأنفسهم- يضعف قدرة القوائم على العمل كفريق واحد بعد الفوز، ويهدد بتحول المجلس إلى ساحة للصراعات الداخلية وتقاسم السلطة، وليس أداة لإدارة المدينة. وهذا يعني المزيد من التدهور في جودة الخدمات، وتآكل ثقة الجمهور، والابتعاد عن أي نموذج فعال للحكم المحلي. أما الناخب، فرغم أنه يتمتع نظرياً بقدرة أكبر على التأثير، إلا أنه عملياً تحكمه شبكة من الاعتبارات الاجتماعية. وفي مواجهة النتائج المتوقعة والمجزأة، فإنه يميل إلى التصويت لصالح الأقرب اجتماعيا بدلا من الأكثر كفاءة. وهكذا يتم إعادة إنتاج النخبة نفسها، حتى في ظل خطاب انتخابي يدعي التغيير. ويتقاطع هذا مع اقتراح جان جاك روسو بشأن تحويل الإرادة العامة إلى مجرد مجموع إرادات فردية منفصلة، تفقد معها العملية الديمقراطية معناها كإطار لتحقيق الصالح العام. ويقف المواطن بين خيارات محدودة: مقاطعة الانتخابات لعدم جدوى العملية الانتخابية، والورقة البيضاء احتجاجاً كما يقترح البعض، والمشاركة كخيار واقعي ضمن هامش محدود من التغيير والحسابات الفئوية. وبشكل عام، يظل العامل المشترك هو تراجع الثقة -ليس فقط في المرشحين- بل في جدوى العملية الانتخابية نفسها. وتتجه التوقعات نحو تشكيل مجلس بلدي موزع على خمس قوائم، مع صعوبة حصول أي قائمة أو نظيرتها على الأغلبية. وفي هذا الواقع لن تكون نتائج الصندوق حاسمة، بل ما يتبعها من تحالفات وتفاهمات ــ وربما صفقات ــ قد يعيد إنتاج المحاصصة، بما في ذلك سيناريو التناوب الرئاسي، رغم الخطابات الرافضة له. الفجوة بين ما يقال وما يمكن أن يحدث ليست تفصيلاً، بل هي سمة بنيوية لهذا المشهد. وفي الختام فإن هذه الانتخابات ليست مجرد استحقاق دوري، بل هي اختبار لطبيعة العلاقة بين المجتمع والبلدية. هل هي علاقة تعاقدية من أجل الصالح العام، أم مجرد إعادة توزيع للمصالح والنفوذ داخل المجتمع نفسه؟ ولا يقتصر الجواب على نتائج صناديق الاقتراع وحدها، بل في وعي المجتمع وقدرته على فرض أدوات المساءلة الفعالة، وفي استعداد النخب القادرة للتقدم والانخراط في الشأن العام، وفي مراجعة قانون انتخابات الحكم المحلي بما يسهم في تطوير مفهوم المجتمع المدني والتعددية بدلا من تكريس انقساماته وتعزيز الفئوية.




