فلسطين – “بين وطنين… وحقيقة واحدة” لفراس الطيراوي – شيكاغو

اخبار فلسطينمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
فلسطين – “بين وطنين… وحقيقة واحدة” لفراس الطيراوي – شيكاغو

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-16 18:45:00

لقد عدت من فلسطين بذاكرة أثقل. قد نغادر الوطن بأجسادنا، لكنه يرفض أن يغادر أرواحنا. رحلت شوقا، ورجعت بحب أكبر لفلسطين… واهتمام أكبر بها. في تلك الأيام كان للجمال حضوره؛ دفء اللقاءات، ورائحة الأرض، والوجوه التي تلخص معنى الانتماء. ومن أعظم ما أنعم الله علي به هو الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، حيث تعجز اللغة أمام عظمة المكان. هناك تدرك أن القدس ليست خبراً عابراً، وأن الأقصى ليس عنواناً تطلقه السياسة أثناء الأزمات، بل هو ذاكرة أمة، وروح شعب، وتاريخ حي يقاوم النسيان. لكن فلسطين ليست مجرد جمال. وهو أيضًا اختبار يومي لمعنى الحرية. الاحتلال، لمن يراه عن قرب، ليس مصطلحاً سياسياً متداولاً في نشرات الأخبار، بل هو واقع يتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة. إلى الطريق الذي تسلكه، والوقت الذي تحتاجه لزيارة عائلتك، والسؤال الذي يرافقك في كل رحلة: هل سأصل، أم سيعيقني حاجز، أو إغلاق، أو خوف غير متوقع؟ في الولايات المتحدة، نقيس المسافات بالأميال. أما فلسطين فتقاس بالحواجز والانتظار والإمكانيات. لم يعد عنف المستوطنين حادثة يمكن إخفاؤها خلف عبارات دبلوماسية مثل “التوتر” أو “الاحتكاكات”. قد تهذب اللغة الكلمات، لكنها لا تغير الحقيقة، ولا يصبح الظلم أقل ظلما عندما نسميه اسما أجمل. لسنوات طويلة، روى الفلسطيني هذا الواقع، فيما تعامل كثيرون مع روايته على أنها رواية طرف في صراع. لكن الصورة بدأت تتغير عندما وثقت وسائل الإعلام الأميركية الاعتداءات على الصحافيين الدوليين في الضفة الغربية، وعندما تحدث عضو الكونغرس الأميركي رو خانا عن مواجهته مع مستوطنين مسلحين خلال زيارة ميدانية. وهنا يفرض السؤال نفسه: كم يحتاج الفلسطيني من الشهود حتى تصدق شهادته؟ فهل تصبح الحقيقة أكثر إقناعا عندما يقولها صحافي غربي أو عضو في الكونغرس، بينما تبقى شهادة الفلسطيني وحدها محل شك؟ وهذه ليست دعوة لتصديق الفلسطيني لأنه فلسطيني، بل دعوة للإنصاف. إن قيمة الحقيقة لا تتغير باختلاف هوية الشخص الذي يقولها. وقد تشرفت خلال الزيارة، مع مجموعة من أبناء الجالية الفلسطينية الأميركية، بلقاء الرئيس محمود عباس. ومن بين ما قاله لنا عبارة ظلت معي طوال رحلة العودة: «أنتم سفراؤنا هناك». ولم أسمعه من باب المجاملة البروتوكولية، بل من باب المسؤولية الأخلاقية. نحن الفلسطينيون الأميركيون لا نخاطب الولايات المتحدة من خارجها. نحن جزء من مجتمعها. نحن نعمل هناك، وندفع الضرائب، ونربي أولادنا، ونشارك في مؤسساته، ونصوت في انتخاباته. ولذلك فإن حديثنا عن فلسطين ليس صوتاً غريباً يطرق باب أميركا، بل هو صوت مواطن أميركي يحمل في ذاكرته وطناً آخر. ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا. لا لتحويل فلسطين إلى شعار، ولا اختزالها بالغضب، بل لحمل روايتها بأمانة، وتقديمها كما هي، بعيداً عن المبالغة والانفعال. نحن لا نطلب من أمريكا أن تكون معادية لأحد، بل أن تظل وفية للقيم التي جعلت منها مرجعا للكثيرين حول العالم؛ الحرية والمساواة والعدالة. الحرية لا ينبغي أن تتوقف عند حاجز. الكرامة لا تتغير بتغير الهوية. ولا ينبغي أن يكون الأمن حقاً مطلقاً لشعب ما، واهتماماً يومياً لشعب آخر. جواز سفر واحد… وأسئلة أكبر. المفارقة الأعمق في رحلتي كانت عند عودتي إلى الولايات المتحدة. لقد غادرت عبر مطار بن غوريون، وأنا أحمل الجنسيتين الأمريكية والفلسطينية. ولم تكن هذه مجرد رحلة سفر، بل كانت تجربة دفعتني إلى التفكير في معنى المواطنة، وفي المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسة على أرض الواقع. وعندما انضمت (إسرائيل) إلى برنامج الإعفاء من التأشيرة الأميركية عام 2023، كان مبدأ المعاملة بالمثل للمواطنين الأميركيين، بمن فيهم الأميركيون من أصل فلسطيني، أحد الأسس التي بني عليها هذا القرار. اعتقدت أن الرسالة واضحة: إذا كان الجواز واحدا، فالمعاملة واحدة. لكن ما واجهته عند المغادرة ترك لي أسئلة لا تزال بلا إجابة. وصلت إلى المطار في وقت مبكر. رحلتي إلى شيكاغو كان لديها ما يكفي من الوقت، وبدأت سلسلة طويلة من الأسئلة، ثم الانتظار، ثم الإجراءات الأمنية التي استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبل إقلاع الطائرة. وصلت إلى البوابة في اللحظة الأخيرة، لكن رحلتي لم تنته عند هذا الحد. وعندما هبطت الطائرة في مطار أوهير، اكتشفت أن حقائبي الخمس لم تصل معي، وأبلغت أنها باقية في تل أبيب وستصل لاحقا على متن رحلة أخرى. وهنا أروي الأحداث كما عشتها: ساعات من التأخير والاستجواب، ثم الوصول إلى الطائرة في اللحظة الأخيرة، ثم الوصول إلى أمريكا دون أي من حقائبي. ربما لم تكن الحقائب هي المشكلة. وكانت القضية هي السؤال الذي رافقني طوال الطريق: هل يُقرأ جواز السفر؟ أولاً.. أم هوية صاحبها مقروءة؟ ومن حق أي مواطن أميركي أيضاً أن يتساءل عما إذا كانت أصوله الفلسطينية قد أصبحت سبباً لاختلاف المعاملة. وهنا بالضبط يتم اختبار معنى المعاملة بالمثل. لا في البيانات الرسمية، ولا في المؤتمرات الصحفية، بل على أبواب المطارات، وفي غرف الانتظار، وفي معاملة الإنسان، وكل ما يبقى بينه وبين الدولة هو جواز سفره. ومن حقنا نحن الأميركيين من أصول فلسطينية أن نتساءل: من يراقب تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على الأرض؟ ومن يضمن ألا تصبح أصول المواطن سببا يجعله يعامل بشكل مختلف عما هو عليه؟ أي مواطن أمريكي آخر؟ نحن نحمل نفس جواز السفر، ونؤدي نفس الواجبات، ونشارك في بناء المجتمع الأمريكي مثل أي شخص آخر. ولذلك، لا ينبغي اختبار مواطنتنا في كل مرة نمر فيها عبر بوابة حدودية. أحب أمريكا، لأنها الوطن الذي بنيت فيه حياتي وعائلتي ومستقبل أطفالي. ولهذا السبب بالتحديد أطلب منها أن تظل وفية للقيم التي تعلن الدفاع عنها. إن انتقاد الاحتلال ليس عداءً لشعب أو دين. إن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ليس عداءً لليهود. إن رفض معاداة السامية يجب أن يكون واضحاً وحاسماً، تماماً كما يجب أن يكون رفض الاحتلال والتمييز وعنف المستوطنين واضحاً وحاسماً. العدالة لا تتجزأ، والمبادئ تفقد معناها عندما تطبق على شعب، وتستبعد شعوب أخرى. ورغم كل ما رأيت، عدت من فلسطين حاملاً صورة أخرى لم تكن أقل حضوراً. رأيت قوماً مصرين على الحياة. رأيت الناس يعملون ويبنون ويزرعون ويرسلون أبنائهم إلى الجامعات ويتمسكون بالأمل رغم ثقل الواقع. إن الفلسطيني لا يحتاج إلى دروس جديدة في الصمود؛ لقد عاش من خلال ذلك لأجيال. ما يحتاجه هو عالم يستمع إليه بقدر ما يستمع للآخرين. رجعت من بيت الى بيت . عدت إلى أمريكا بنفس جواز السفر الذي غادرته، لكنني عدت بذاكرة أثقل، وبقناعة أبسط: قيمة الإنسان لا تقاس بجواز سفره، بل بكرامته. وطالما يتم البحث عن الكرامة على الحواجز، ستبقى الحقيقة تبحث عن من يقولها.

اخبار فلسطين لان

“بين وطنين… وحقيقة واحدة” لفراس الطيراوي – شيكاغو

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#بين #وطنين.. #وحقيقة #واحدة #لفراس #الطيراوي #شيكاغو

المصدر – PNN