اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-17 14:20:00
تقرير – شهاب على أطراف حي الزيتون جنوب مدينة غزة، تتكدس الخيام في مخيم “دار السلام” بشكل يكاد يلغي أي مساحة شخصية للنازحين، حيث أصبحت الحياة اليومية مكشوفة تماما داخل أقمشة رقيقة لا تحجب الصوت أو تحمي الخصوصية. في هذا المكان، يحاول خالد أبو السعيد، الذي فقد متجره في حي الرمال، التكيف مع واقع جديد يستيقظ فيه على حركة المارة بالقرب من سريره، دون أي حواجز تفصله عن العالم الخارجي. ويقول أبو السعيد إن الحياة داخل المخيم تحولت إلى مساحة مشتركة بلا حدود، إذ لم يعد هناك أي فواصل حقيقية بين العائلات، وأصبحت تفاصيل الحياة اليومية مكشوفة للجميع. ويؤكد أن ما يعيشه النازحون ليس مجرد أزمة مأوى، بل “انكشاف” وفقدان القدرة على التحدث بحرية داخل الخيمة، مع سماع الجيران لكل ما يجري. وضمن هذه المساحات الضيقة، تتراكم المعاناة اليومية للعائلات التي فقدت منازلها التي كانت تحمي خصوصيتها، لتجد نفسها في خيام لا تحميها من عناصر الطبيعة أو أنظار الآخرين، مما يخلق شعوراً دائماً بالضيق والخوف من فقدان الكرامة، في وقت ينتظر النازحون المساعدات التي قد لا تصل بانتظام. وفي مواصي خان يونس، يعيش محمود سلامة، النازح من بيت حانون، تجربة مماثلة، إذ يعيش منذ أكثر من عام في خيمة مع أطفاله الثلاثة، وسط ظروف مناخية قاسية تزيد من صعوبة الحياة. ويقول سلامة إن تفاصيل يومهم أصبحت مرهقة ومعقدة، مع استمرار البحث عن الحد الأدنى من مقومات العيش. ويضيف أن جدران القماش لم تعد مجرد غطاء، بل تحولت إلى «آذان» تنقل أدق تفاصيل الحياة داخل الخيام، من صوت المطر المتسرب إلى الداخل، إلى أحاديث يومية لم تعد خاصة. ويشير إلى أن انعدام الخصوصية أدى إلى تفاقم التوتر داخل الأسرة، حيث يصعب التحدث أو مواسات أفراد الأسرة دون سماع صوتهم في الخيام المجاورة. من جانبها، ترى الدكتورة سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة، أن ما يحدث في مخيمات النزوح يتجاوز فقدان السكن إلى آثار نفسية عميقة تمس كرامة الإنسان، موضحة أن المنزل في علم النفس الاجتماعي يمثل “الجلد الثاني” الذي يمنح الإنسان الشعور بالأمان والانفصال عن الخارج. وتقول: “البيت هو الجلد الثاني للإنسان، وعندما يتمزق ويتحول إلى قطعة قماش، يصبح الإنسان مكشوفاً تماماً لعيون وآذان الآخرين”. وتضيف أن هذا التحول يضع النازحين في حالة من “العري الاجتماعي”، حيث يتعرضون باستمرار لتقلبات الطقس وتعرض حياتهم للآخرين، ما يسبب حالة دائمة من القلق واستنزاف الطاقة النفسية. وتتجلى معاناة النساء بشكل خاص في هذه البيئة، حيث يضطر الكثير منهن إلى البقاء بكامل ملابسهن طوال الوقت خوفا من انكشاف الخيمة، مما يحرمهن من الشعور بالراحة داخل مساحة من المفترض أنها خاصة. كما يعاني الرجال من الشعور بالعجز نتيجة عدم قدرتهم على حماية خصوصية أسرهم، مما يؤثر سلباً على استقرار العلاقات داخل الأسرة. أما الأطفال فهم من الفئات الأكثر تضرراً، حيث يُحرمون من مساحتهم الخاصة وحقهم في العيش بعيداً عن ضغوط الكبار، ما يدفعهم إلى ما يصفه جبر بـ”البلوغ القسري” الذي يترك آثاراً نفسية طويلة المدى. ويحذر مختصون من أن انعدام الخصوصية داخل مخيمات النزوح يحول الحياة إلى حالة من التوتر المستمر، ويزيد من احتمالية العنف الأسري والمشاجرات اليومية. الحاجة إلى العزلة والهدوء جزء أساسي من التوازن النفسي، وغيابها يحول الخيام إلى ما يشبه «سجون القماش» التي تستنزف الإنسان نفسياً.



