اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-10 12:58:00
أنين لا يمكن للأدوية أن تكبحه، ولا تسكته المسكنات، والخمول، وفقدان الطاقة، والأرق، والألم الذي لا نهاية له. حياة صعبة للغاية لمرضى الفيبروميالجيا، حيث لا يستطيعون مواجهة مرضهم إلا بالراحة الجسدية والنفسية. وقد تساعدهم الأدوية أحياناً، ولا غنى عنها للمسكنات، ولكنها مهما فعلت فإنها لا تتخلص من المرض. يرافقهم طوال حياتهم، وتختلف خطورته بحسب ظروفهم ومثيرات الألم التي يتعرضون لها. كل هذا يحدث لهم في الظروف العادية، فكيف يحدث لهم هذا؟ هل تأثروا بالحرب التي تسببت في زيادة كافية في مرضهم؟ أسباب فاقمت معاناة المصابين بالمرض وأصابت آخرين كثيرين، خاصة أن العامل النفسي يلعب الدور الأكبر في المشكلة. الفيبروميالجيا (متلازمة الفيبروميالجيا) هو مرض لم يجد العلم وأسبابه تفسيرا قاطعا حتى الآن، ولكن وفقا للدراسات فإن الخلل في مستقبلات الجهاز العصبي يؤدي إلى إرسال إشارات الألم وتضخيم الإشارات المؤلمة. وغالبا ما ترتبط الإصابة به بإصابة جسدية أو الخضوع لعملية جراحية أو عدوى أو ضغوط نفسية شديدة. أعراضه كثيرة ومتفاوتة الخطورة، تتغير من يوم لآخر ولا تفارق المريض، ومن بينها آلام شديدة في جميع أنحاء الجسم، والصداع، والأرق، وعدم وضوح التفكير، واضطرابات الذاكرة والتركيز، وفقدان الطاقة. الخمول. وكثيراً ما يعيق المرض المصابين به عن مواصلة حياتهم والقيام بمسؤولياتهم. لا يوجد علاج له حتى الآن، ولكن يمكن تخفيف أعراضه بالدعم النفسي، وبعض أنواع التمارين الرياضية، والأدوية مثل مضادات الاكتئاب. الإعاقة قاتلة… منذ سنوات وصل ألم محمد إلى حد أنه كاد أن يصيبه بالشلل، فاعتمد على الزحف بدلا من المشي في معظم حركاته، بالإضافة إلى أعراض أخرى مثل الصداع والأرق، مما دفعه لاستخدام الأدوية النفسية التي أدخلته في حالة خمول دائم لكنها خففت من آلامه قليلا. يقول: “اضطررت إلى مغادرة منزلي في أول أيام الحرب، ومنذ ذلك اليوم وأنا في مأساة لا يمكن وصفها بالكلمات، نزحت مع أقاربي في منزلهم الصغير الذي كان يكتظ بالنازحين، وخصصوا فيه غرفة للرجال وأخرى للنساء، وهذا ما جعلني أفقد خصوصيتي بسبب الألم، وصعّب عليّ طلب المساعدة من زوجتي”. ويضيف: “الهروب من المكان سريعاً شكل هاجساً بالنسبة لي، فكيف أهرب في أوقات الخطر؟ لذلك هربت جنوباً على أمل العثور على فرصة”. “من أجل الاستقرار”. ويتابع: “النزوح الذي ظننت أنني سأرتاح فيه فتح لي أبواباً كثيرة من المعاناة، أولها الخيمة، الحياة فيها قاتلة لمريض الفيبروميالجيا، لا سرير ولا مقعد، ولا درجة حرارة معتدلة، ولا خصوصية”. ويتابع: “لكنني لا أستطيع أن أتحدث كثيراً عن الإرهاق الجسدي، فأنا شبه مصاب بالشلل، مما يزيد معاناتي على المستوى النفسي. أخاف على أحبائي. أفكر في كيفية توفير احتياجات عائلتي، وفي عواقب الحرب علي وعلى عائلتي”. الخوف والقلق والعديد من المشاعر السلبية زادت من معاناة محمد، لكن أصعبها، على حد وصفه، كان الشعور بالعجز، الذي بسببه طلب ذكر اسمه فقط دون اسم عائلته بسبب الحرج والقمع الذي عاشه، ويعيشه. ويوضح: “في البداية نزحت مع مجموعة من أقاربي. لقد ساعدوني كثيراً، لكنني لم أتحمل أن أكون عبئاً على أحد، ولا أن أكون طريح الفراش أمام الجميع، ومع الوقت استقرت كل عائلة في مكان منفصل، وخف الضغط قليلاً”. ويوضح: “عجزي أمام زوجتي وأطفالي لم ينته بعد، زوجتي تتنقل بين المؤسسات الخيرية للحصول على المساعدات، وتقف في طوابير المياه والرعاية، وتلبي كافة احتياجات الأسرة من الطبخ على الحطب وغسل الملابس باليد وغيرها، كما تستعين بأطفالها الذين لم يتجاوز عمر أكبرهم خمسة عشر عاماً”. وبعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب، لم يتمكن محمد من الحصول على الدواء، وكان انقطاعه كارثة جديدة، حيث تسبب في انتكاسة حادة ومر بتجربة سيئة من أعراض الانسحاب نتيجة التوقف المفاجئ عن تناوله. المثلث العلاجي المفقود: العلاج السلوكي المعرفي، والتدليك، والسباحة، كانت وسائل أمل الشيخ في مواجهة الفيبروميالجيا قبل الحرب، لكن لم يعد أي منها متاحاً الآن، وحلت محلها الضغوط والمسؤوليات النفسية التي لا نهاية لها. وتقول: “أنا أعاني من المرض منذ سنوات، ووجدت صعوبة في التعامل معه في أول عامين له، حتى اهتديت إلى هذه الطرق، وخفّت أعراضه كثيراً”. وتضيف: “مع اندلاع الحرب، ظهرت عوامل كثيرة زادت بشكل كبير من معاناة مريض آلام العضلات، مثل النزوح المتكرر، والنوم والجلوس على الأرض، وغسل اليدين، بالإضافة إلى الضغوط النفسية التي لا تعد ولا تحصى”. وتتابع: “لا أحد يستطيع أن يتخيل حياة مريض الفيبروميالجيا والتفاصيل البسيطة التي تتعبه. على سبيل المثال، الضجيج الناتج عن ازدحام المكان بالنازحين هو سبب الألم بالنسبة لي”. في السنوات الثلاث الأخيرة قبل الحرب، قامت أمل بتعيين عاملة منزلية، لكنها الآن تغسل الملابس بيدها، وتعجن الخبز، وتجلس لساعات أمام موقد الحطب، وتمشي لمسافات طويلة لإنجاز مهامها المهمة. تستذكر تجربتها مع المرض في حرب سيف القدس عام 2021: “على الرغم من قصر مدة تلك الحرب، تدهورت صحتي بشكل كبير بسبب التوتر والقلق، وكنت أعتقد أن هذا أقصى ما يمكن أن يحدث لي في الحروب، لم أتخيل أنني سأفقد كل وسائل الراحة التي وفرتها لنفسي في منزلي، ولا أن أعيش أكثر من عامين في خيمة لم ترحم الجسد المنهك”. تشرح: “الانحناء للدخول إلى الخيمة من بابها القصير، الجلوس على الأرض، النوم على مرتبة غير مريحة، القيام بكل شيء يدوياً، اضطرارنا للمشي طويلاً بسبب أزمة المواصلات، وتفاصيل كثيرة ترهقنا نحن مرضى الفيبروميالجيا”. وعن الأرق في الخيمة، يتبين: “الجميع ينام، والشارع هادئ، وأنا وحدي أعاني من الأرق والخوف. أخاف من كل حركة أسمعها خارج الخيمة، حتى لو كان الصوت قطة تمشي بالقرب من خيمتي. أبقى في حالة تأهب خوفاً من دخول لص”. بعد ليلة طويلة، لم تتح لأمل فرصة الحصول على قسط كاف من النوم. في ساعات الصباح الباكر، تضيء الشمس الخيمة، وترتفع أصوات الناس في الشارع. وفوق كل هذا التعب، تستمر أمل في تحمل مسؤوليات أسرتها، مما يزيد من آلامها، ليس فقط بسبب المجهود البدني، ولكن أيضًا لأن التفكير في شؤون الأسرة وإدارة احتياجاتها مرهق للمريضة. على سبيل المثال، كانت المجاعة من أقسى الفترات بالنسبة لها بسبب التفكير الزائد في كيفية توفير الطعام لأطفالها والخوف عليهم من الجوع. أرض خصبة للمرض، يقول طبيب الأعصاب الدكتور باسل بكر، إن الحرب تمثل بيئة صعبة للغاية بالنسبة لمريض الفيبروميالجيا، فكل تفاصيلها تزيد من تفاقم مرضه، مثل المجهود البدني الكبير، والضغوط النفسية بمختلف أشكالها، وعدم الاستقرار وكثرة المسؤوليات، إضافة إلى انقطاع الأدوية، وتراجع فرص الحصول على الدعم النفسي والعلاج الطبيعي. وأضاف: “العلم لم يؤكد بعد أسباب الإصابة بهذا المرض القاسي، لكن شرارة المرض غالبا ما تبدأ بإجهاد جسدي أو نفسي أو عدوى فيروسية”. ويتابع: “هذه العوامل موجودة بكثرة في قطاع غزة خلال الحرب، ما يعني أن أسباب المرض كثيرة، وهذا ما يفسر زيادة حالات الإصابة في هذه الفترة”. ويوضح أن معظم الأدوية التي يحتاجها مريض الفيبروميالجيا غير متوفرة، مثل أدوية آلام الأعصاب ومضادات التشنج ومرخيات العضلات ومضادات الاكتئاب، وحتى المسكنات ليست متوفرة دائمًا. ويشير إلى أن سوء التغذية هو أحد أسباب تراجع صحة المريض، سواء بسبب المجاعة، أو طبيعة الأطعمة المتوفرة، أو ارتفاع أسعارها، قائلاً: “يحتاج مريض الفيبروميالجيا إلى عناصر غذائية تساعده على مواجهة مرضه، مثل المغنيسيوم وفيتامينات د وب12، وفي الحرب ليس من السهل توفير الأطعمة الغنية بهذه العناصر”. ويشير إلى أن الفيبروميالجيا غالبا ما تكون مصحوبة بأمراض أخرى مثل الانزلاق الغضروفي والتهاب المفاصل العظمي، والتي تتأثر بشكل طبيعي بالحرب. على سبيل المثال، في حالة الانزلاق الغضروفي، قد يتأخر التشخيص بسبب فشل جميع الأعضاء. التصوير بالرنين المغناطيسي في قطاع غزة، وهذا التأخير يزيد المشكلة، وفي حال التشخيص لا يمكن الحصول على الأدوية والراحة والعلاج الطبيعي بسهولة. ويؤكد بكر أن استمرار الأوضاع الصعبة يعني المزيد من الألم لمرضى الفيبروميالجيا، ولن تخفف معاناتهم إلا بوقف الحرب وتحسين الظروف المعيشية، كما هو الحال مع العديد من المصابين بأمراض أخرى.



