فلسطين – عندما نخطئ العدو: هل نعطي الكيان فرصة أخرى؟

اخبار فلسطين5 مارس 2026آخر تحديث :
فلسطين – عندما نخطئ العدو: هل نعطي الكيان فرصة أخرى؟

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-05 12:32:00

الصواريخ التي تصنعها أيادي غربية تأتي لتضرب إيران. اهتزت المنطقة. ولم تكن هذه لحظة عابرة. لقد كانت لحظة كشفت كيف انهار الوهم القديم بأن المنطقة يمكن أن «تقف على الهامش» بينما أعيد هندسة ميزان القوى فوق رؤوسها. لكن ما يستحق وقفة أطول من تفاصيل الضربات هو دليل الوعي العربي والإسلامي الذي أعقبها: الطريقة التي بني بها الوضع. ويعود إلينا درس قديم، يتكرر في كل موجة توتر كبرى: بمجرد أن ترتفع حرارة الصراع، تظهر الأدلة على ضعف نوعية التفكير. ليس لأن الناس لا يفهمون، بل لأن “الطرق السهلة” تكاثرت: عناوين جاهزة، واصطفافات مريحة، وخطب تخدر الضمير أكثر من تفسيرها للواقع. في كل موجة تصعيد كبيرة، يتكرر السؤال نفسه، ليس في شكله الأخلاقي (ما هو العدل؟) ولا في شكله السياسي (ما المصلحة؟)، بل في شكله الأسهل: من هو الفاعل؟ وما هو كيان تأثيره؟ ومن هنا يبدأ الانزلاق إلى (ثقافة التصنيف). إن بداية الاختلال لا تأتي عادة من نقص المعلومات، بل من “الارتياح” الذي يوفره التصنيف. وبدلا من البدء من الفعل نفسه ومناقشة العواقب المحتملة، من يدفع ومن سيدفع الثمن؟ وكيف ينعكس ذلك على ميزان القوى في المنطقة؟ نبدأ من بطاقة الهوية: (عربي/فارسي)، (سني/شيعي)، (قومي/إسلامي/إخواني). ومن ثم تستخرج النوايا الجاهزة من الهوية، وتستخرج الأحكام الجاهزة من النوايا، والمخرج الجاهز من الأحكام هو: الحياد المتسرع، أو الشماتة، أو التبرير لعدم الدعم والمساعدة. وبهذا المعنى يصبح التصنيف آلية للهروب من استحقاقات هذه المرحلة، وليس أداة لفهم السياسة وكيفية تشكيل موازين القوى في المنطقة. وكانت فلسطين أول من تأثر بهذه الثقافة. إن تاريخ النضال والمقاومة الفلسطينية بشكل خاص، والمقاومة العربية بشكل عام، لم يكن قط قالباً أيديولوجياً واحداً. وحملت على مدى فترات طويلة تعابير قومية ووطنية ويسارية وإسلامية، وتغيرت لغتها وبرامجها باختلاف الزمن والظروف. وبالفعل، قبل قيام الكيان، كانت هناك أشكال محلية واجتماعية – عائلية وقبلية ومدنية – لمقاومة الاستيطان والانتداب ضمن سياقات عصرها. لقد حولت ثقافة التصنيف المقاومة إلى «اتهام» بدلاً من عنوان للحقيقة. أحياناً تُسحب الشرعية لأن الفاعل «يساري»، وأحياناً لأن الفاعل «إسلامي»، وأحياناً لأن المؤيد «شيعي»، وأحياناً لأن الخلفية «قومية». ومن ثم نكتشف أن النتيجة ثابتة مهما تغيرت الذريعة: الابتعاد عن تجربة فلسطين. وهنا تظهر حقيقة مهمة وبسيطة: إن دعم الحقيقة لا يعتمد على الإشارة؛ وواجب المساندة لا ينبغي أن يتوقف على هوية الفاعل، بل يجب أن يرتكز على جوهر القضية: شعب تحت الاحتلال يطالب بحقه في التحرر، ولا يجوز تصنيف رايات الناشطين. وهذا بالضبط ما يمهد الطريق لأكبر عيب: استبدال العدو. استبدال العدو يعني أن الاحتلال الإسرائيلي -بدلاً من أن يبقى الجذر الذي تتفرع منه أزمات المنطقة- ينزاح تدريجياً إلى فئة «ملف ضمن ملفات»، فيما يتقدم «عدو بديل» إلى طليعة الوعي: إيران، الطائفة، الإسلام السياسي، القومية، التوسعية، إلخ، أي عنوان قادر على ابتلاع العنوان الرئيسي. وهذا ما يفعله الكيان منذ عقود، إذ ينقل الصراع من «الوجودي» إلى «الحدودي»، ثم من «الفلسطيني-الإسرائيلي» إلى «الإيراني-الإسرائيلي». فهو يحول الصراع من الأصل إلى الفرع، ومن الاحتلال إلى التوتر الإقليمي. وهكذا تنجح إسرائيل في تقديم نفسها باعتبارها “شريكاً أمنياً” ضد “تهديد آخر”، الأمر الذي يقلل من تكاليف كونها قوة احتلال ويسهل اندماجها في ترتيبات المنطقة. طموح الكيان التوسعي لا يحتاج إلى وثيقة رسمية حتى يفهمه؛ في بعض الأحيان تكون الرموز المقدمة للعالم كافية. وقدم نتنياهو خرائط محت فلسطين عملياً، وأعادت تشكيل الصراع من خلال وضع «التهديد الإيراني» في بؤرة الخطر. أما سموتريتش الآخر فقد قدم للعالم خريطة «إسرائيل الكبرى» بمضامينها التي تتجاوز الحدود المعترف بها وتحرم الفلسطيني والعربي من صاحب الحق. ثم جاءت تصريحات الراعي الرئيسي، السفير الأميركي لدى الكيان، مايك هاكابي، الذي تساهل وبارك رواية «من النيل إلى الفرات»، مما أعطى لهذا المزاج غطاء إضافيا. أما على الأرض، وسياسات الاستيطان، والضم الزاحف، ومحاولات إفراغ غزة من أهلها، واحتلال مساحات واسعة في سوريا الجديدة، فضلاً عن لبنان، كل ذلك يبين لنا حقيقة لا مفر منها: كلما خفت صوت القضية الفلسطينية، وكلما اعتقدت إسرائيل أنها قادرة على رعاية شعبها، وأنه لا يوجد لها مساعد خارجي، كلما أدى ذلك إلى توسعها. وإذا كانت هذه هي صورة «الخصم» كما تظهر في خطاب الخرائط والحقائق، فإن سؤال المصلحة العربية والإسلامية هو الأهم، ولا يمكن الرد عليه بالشعارات أو العواطف، بل بالمنطق البسيط: أي توازن قوى نريد؟ وما ليس مطلوباً هو أن تدار المنطقة على أساس «من نكره أكثر». بل الأمر متروك للدول العربية والإسلامية – فرادى وجماعات – أن تكون لديها القدرة على تغيير موازين القوى لصالحها، مما سيكبح جماح الكيان، ويكسر طموحه، ويبقي مشكلته وصراعه داخل فلسطين. وهذا التوازن سيكسر أدوات تلاعبها في المنطقة، أو ستضعف إسرائيل إلى درجة لا خيار أمامها سوى الالتزام بالحقوق الفلسطينية. وفي كلتا الحالتين (تعزيز البيئة، أو إضعاف الكيان) لا بد من تفعيل أدوات القوة، عبر تحالفات عسكرية وسياسية ودبلوماسية منسقة، تحالفات تدار على أساس فلسطين وليس على أساس «العدو البديل» المتوقع سقوطه حالياً. الرهان الذي تسرب إلى حسابات بعض العواصم العربية: سقوط إيران كحل سحري لكل المشاكل، وكأن زوال المنافس الإقليمي سيفتح الطريق أمام علاقات مريحة مع ترامب ونتنياهو، ويحررهما من وجه الغرب. وهذا وهم خطير يفضحه منطق الجغرافيا والتاريخ. لأن الكيان لا يعمل ضمن حدود مرسومة، بل ضمن مشروع يقرأه قادته علناً على الخرائط: فهو لم يعد يقبل شعار من النهر إلى البحر، بل من النيل إلى الفرات. ومن يعتقد أن الكيان سيتوقف عند إيران، أو أنه سيكتفي بفلسطين وحدها، ينسى أن شهية التوسع لا تشبع، وفائض القوة ليس له حدود. بعد سقوط إيران ما هي حدود القوة العربية التي ستمنع الكيان من الوصول إلى نهر الفرات؟ خطط محاصرة مصر والسعودية جاهزة في الأدراج. بدأوا بوجود الكيان في أرض الصومال، وهو ما يمثل خطوة أولى لإضعاف مصر والسعودية على طريق قطع أجزاء منه لبناء (إسرائيل الكبرى). إن الرهان على سقوط إيران – أو أي منافس إقليمي آخر – لحل المشاكل العربية هو بمثابة إعطاء إسرائيل غطاء إضافي لمواصلة مشروعها. لأن تفكيك «العدو البديل» لا يعني تفكيك الاحتلال، بل يعني في كثير من الأحيان إفراغ الساحة من أي قوة قادرة على موازنة إسرائيل أو ردعها. وهذه هي المفارقة المأساوية: من ينتظر أن يحل ترامب ونتنياهو مشاكله بإزاحة خصمه، سيكتشف لاحقاً أنه جعل نفسه مكشوفاً أكثر، وعجل بقائمة انتظار الانهيار والتوسع. إن أعظم خدمة يمكن أن تقدمها دول وشعوب المنطقة لفلسطين والمنطقة تبدأ بالخروج من «حالة الراحة النفسية» التي تنتج الأحكام الجاهزة وتعيد إنتاج التصنيفات المريحة. الوعي هو بوابة القوة، والخطاب الموحد هو أساسها. ويتعين عليهم أن يعيدوا تعريف المصلحة الذاتية للمنطقة على النحو الذي لا يمكن فصله عن فلسطين، فضلاً عن استعادة تعريف المشكلة. فعندما تُسرق البوصلة ويُستبدل العدو، تنخفض التكلفة على إسرائيل تلقائياً: فتتقلص مساءلتها، ويُعاد تقديمها كطرف «لا غنى عنه» في الترتيبات الأمنية الجديدة، وتصبح فلسطين ملفاً مؤجلاً خاضعاً للتفاوض. وهو ما يدفع إسرائيل إلى الاعتقاد بأنها حسمت القضية الفلسطينية مع المنطقة وبدأت تنظر إلى ما هو أبعد من فلسطين. ولذلك لا بد من بيان الخلاصة بوضوح: أصل المشكلة في المنطقة هو (الكيان الصهيوني) باعتباره مشروع احتلال واستيطان زاحف، وقاعدة متقدمة للغرب في قلب العالم العربي. المشكلة ليست في «المزاج الإيراني»، أو «الطائفة»، أو «القومية»، أو «الإيديولوجية» -مهما علت هذه العناوين الرئيسية- فكل هذه تتضخم عندما تضيع البوصلة، وتتضاءل عندما تعود الأصول إلى مكانها. وكلما برزت حقيقة الاحتلال إلى السطح، واختفت الخطابات التي تغض النظر عنه، كان ذلك أكثر فائدة لمصالح المنطقة، وأكثر فائدة لفلسطين نفسها. وهنا لا بد من الاعتراف بحقيقة قد تكون غير مريحة لبعض الخطابات، ولكنها ضرورية لأي وعي ناضج: وهي أن الخلافات بين دول المنطقة وقواها – سواء مع إيران أو تركيا، أو مع حماس، أو مع حزب الله، أو مع أي طرف آخر – ليست ملحة أو شاذة. وليس مطلوباً من أحد أن يتبنى نوعاً معيناً من النضال أو أيديولوجية معينة، ولا أن يسكت عن الأخطاء أو يتخلى عن قناعاته. بل علينا أن نفهم المنطقة جيداً وندرك أن تنوعها جزء أساسي بل وعنصر مهم في تكوينها. هكذا فهم الأمر. المحرر الأول. وكان صلاح الدين يضم في صفوف جيشه العرب والأكراد والأتراك والبربر والسنة والشيعة الإمامية وحتى العرب المسيحيين، والعديد من المتطوعين. هؤلاء لم يتفقوا على كل شيء، ولم يكونوا نسخة واحدة من الإيمان أو السياسة أو حتى الجغرافيا، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: من يحتل الأرض، ومن يستحق أن يكون الهدف. ولم يكن هذا التنوع ضعفا، بل مصدر قوة وثروة، لأنهم تمكنوا من إدراك أن العدو لا يهزم بالخطابات الفكرية المشتتة، بل بإرادة موحدة سياسيا، حتى لو لم يتفقوا فكريا. الخلافات ستبقى، وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن الرهان الخاسر هو السماح لهذه الخلافات بالتحول إلى رايات تحجب رؤية العدو، وإلى ذرائع مريحة تحرمنا من واجب الدعم. فلسطين ليست قضية ندعمها بعد أن نتفق على كل شيء. فلسطين هي بالضبط ما يمكن أن نتفق عليه رغم اختلافنا في كل شيء. وهي الأرضية المشتركة التي تتسع للجميع، كما وسع جيش المحرر الأول. الخيار أمامنا واضح: إما أن تبقى هذه المنطقة أسيرة ثقافة التصنيف، وتبادل الاتهامات حتى يأكلنا الكيان قطعة قطعة. أو يجب أن نكون ناضجين بما فيه الكفاية لنعترف بأن الخلافات طبيعية، والعدو واحد، وأن فلسطين هي البوصلة التي إذا سيطرنا عليها، سيطرنا على كل شيء، ولكن الخلافات ستبقى. فلنترك الأمر في مكانه: جانبًا، بينما نركز جميعًا على العدو الحقيقي. وهذا هو النضج السياسي المطلوب. هذه هي استعادة البوصلة.

اخبار فلسطين لان

عندما نخطئ العدو: هل نعطي الكيان فرصة أخرى؟

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#عندما #نخطئ #العدو #هل #نعطي #الكيان #فرصة #أخرى

المصدر – وكالة شهاب الإخبارية – – الصفحة الرئيسية