اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-25 18:27:00
لم يكن أحد يتخيل أن التكنولوجيا التي قيل إنها تقود البشرية إلى عصر جديد من الرخاء والتقدم ستصبح ذات يوم جزءًا من آلة الحرب. الذكاء الاصطناعي، الذي ولد لتشخيص الأمراض في ثوان، وتسريع اكتشاف الأدوية، وإحداث ثورة في التعليم والبحث العلمي، وتسهيل حياة الإنسان، وجد نفسه في غزة في معادلة مختلفة تماما. معادلة لا تسعى إلى علاج مريض، ولا إنقاذ طفل، بل تسعى إلى تسريع إنتاج الأهداف في واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث. وفي غزة، حيث يحتاج الأطفال إلى أجهزة الكمبيوتر بدلاً من الركام، ومنصات التعليم بدلاً من الخيام، والتطبيقات الذكية لتعويض المدارس التي دمرت، جاءت الثورة الرقمية في الاتجاه المعاكس تماماً. وبدلا من استخدام الخوارزميات لإنقاذ الناس، أصبحت – بحسب تحقيقات صحفية دولية وتقارير موثقة – جزءا من منظومة عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتصنيف الأشخاص والمساعدة في اختيار الأهداف، وسط تحذيرات متزايدة من خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان من مخاطر الأخطاء الكارثية على المدنيين. كشفت تحقيقات صحفية نشرتها وسائل إعلام عالمية، أبرزها مجلة + ونداء محلي، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدم أنظمة ذكاء اصطناعي اسمها لافندر، والإنجيل (حبسورا)، وأين بابا؟. وتشير هذه التحقيقات إلى أن نظام لافندر استخدم لتحليل قواعد بيانات كبيرة وتصنيف أعداد كبيرة من الفلسطينيين كأعضاء مشتبه بهم في جماعات مسلحة، في حين أنتج نظام الإنجيل أعدادا كبيرة من الأهداف بمعدل غير مسبوق، في حين أنتج نظام أين أبي؟ لتتبع الأشخاص إلى أماكن وجودهم، بما في ذلك منازلهم. إذا صحت هذه البيانات، فإن العالم يقف أمام سابقة خطيرة تُعطى فيها الخوارزميات دورا مؤثرا في القرارات التي تمس حياة البشر. ولم يعد السؤال الأخطر هو: إلى أي مدى تطور الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح الأمر: من يحاسب الخوارزمية عندما يكلف الخطأ عائلة بأكملها؟ من يعيد إلى الحياة طفلاً قُتل لعدم اكتمال البيانات أو لخطأ التقدير؟ الآلة ليس لها ضمير، ولا تعرف الرحمة، ولا تشعر بدموع أم فقدت أبنائها، ولا تسمع صراخ طفل رضيع تحت الركام. إنها تنفذ ما بني عليه، لكن الإنسان هو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نتائج استخدامه. وشهد العالم خلال هذه الحرب مجازر هزت الضمير الإنساني. وفي مخيم جباليا، وحي الشجاعية، ومخيم النصيرات، وتل السلطان برفح، ومدرسة التابعين، بالإضافة إلى عشرات الغارات التي استهدفت مدارس إيواء النازحين والمستشفيات ومراكز الإيواء، والمناطق التي سبق إعلانها مناطق آمنة. ولا يوجد دليل علني يثبت أن نظام ذكاء اصطناعي محدد هو الذي اتخذ القرار في كل من هذه الهجمات، لكن المؤكد هو أن هذه المجازر وقعت خلال الفترة نفسها التي كشفت التحقيقات فيها عن اعتماد الجيش الإسرائيلي على أنظمة ذكاء اصطناعي للمساعدة في تحديد الأهداف، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الانتقادات والمطالبات بالتحقيق والمحاسبة. أخطر ما في هذه الأنظمة ليس اسمها، بل فلسفتها. فهو يجعل الحرب أسرع، ويجعل الإنتاج المستهدف أكثر كثافة، ويجعل القرار العسكري أكثر اعتمادًا على المعالجة الآلية للبيانات. ما كان يتطلب سابقًا من التحليل البشري يمكن الآن إنتاجه بواسطة خوارزمية في وقت قصير جدًا. لكن سرعة القرار لا تعني بالضرورة عدالته، ووفرة البيانات لا تعني بالضرورة دقتها، والخطأ في هذه الحالة لا يتم تصحيحه بتحديث برنامج، بل يُكتب على شاهد قبر. ولم يعد الحديث يقتصر على الأنظمة العسكرية، بل امتد إلى الشركات العملاقة التي توفر البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية. وتم ربط شركتي Google وAmazon Web Services (AWS) بمشروع Nimbus لتوفير الخدمات السحابية للحكومة الإسرائيلية، كما وردت تقارير عن تعاون تقني مع Microsoft وPalantir Technologies. وهذا لا يعني أنه ثبت أن هذه الشركات كانت متورطة بشكل مباشر في اختيار الأهداف أو تنفيذ الضربات، لكن هذا التعاون فتح نقاشا عالميا واسعا حول المسؤولية الأخلاقية للشركات عندما تستخدم تقنياتها في صراعات مسلحة قد تؤدي إلى سقوط ضحايا من المدنيين. إن العالم اليوم لا يحتاج إلى سباق جديد في تطوير أدوات الحرب، بل إلى سباق في حماية الإنسان. إن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في عدد العمليات التي يمكنه القيام بها في الثانية الواحدة، بل في عدد الأرواح التي يمكن أن ينقذها. وإذا كانت هذه التكنولوجيا قادرة على اكتشاف السرطان في مراحله الأولى، ومساعدة المكفوفين، وترجمة اللغات، وتعليم الأطفال، فإن تحويلها إلى عنصر في نظام القتل يمثل أحد أكثر التناقضات الأخلاقية إيلاما في تاريخ التكنولوجيا الحديثة. سيأتي يوم تُفتح فيه الملفات، وتُراجع القرارات، وتُسأل الحكومات والشركات والمطورون عن حدود مسؤوليتهم الأخلاقية والقانونية. وسيبقى السؤال مطروحا أمام ضمير العالم: هل تم إنشاء الذكاء الاصطناعي لبناء مستقبل البشرية، أم ليصبح أداة تجعل الحروب أسرع وأكثر انتشارا وأكثر قدرة على إزهاق الأرواح؟ *غزة لا تحتاج إلى المزيد من الخوارزميات التي تحصي الأهداف، بل خوارزميات تنقذ الأطفال من الجوع، وتعيد المرضى إلى العلاج، وتفتح أبواب المدارس، وتسخير العلم لخدمة الحياة وليس إنهائها.* عندما يتحول أعظم إنجاز علمي في القرن الحادي والعشرين إلى جزء من مشهد الموت، فإن المأساة ليست مأساة غزة وحدها، بل مأساة البشرية جمعاء.




