اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-16 16:32:00
يظهر التسارع الحاد في إجراءات الاحتلال داخل المسجد الأقصى المبارك خلال العامين الأخيرين، أن حكومة نتنياهو قررت على ما يبدو حل قضية المسجد قبل الانتخابات المرتقبة في إسرائيل في أكتوبر المقبل. وهناك عوامل كثيرة تدعم هذا التوجه، ولعل أهمها أن استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل باتت تمنح الحركة الصهيونية الدينية ترجيحاً حقيقياً في الانتخابات المقبلة، حيث أظهرت بعض الاستطلاعات نهاية العام الماضي احتمالاً يتراوح بين عدم تمكن حزب سموتريش من دخول الكنيست، إلى حصوله على ما لا يزيد عن 4 مقاعد على الأكثر. فيما أظهر استطلاع للرأي نشرته “معاريف” نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي، أن حزب إيتامار بن غفير خسر على الأقل مقعدا في الكنيست، ما أضعف وجوده فيه، وبالتالي أضعف فرصه في دخول أي حكومة يمينية مقبلة. ولذلك من مصلحتهم تقديم نجاح كبير لناخبيهم لزيادة فرصهم في الحصول على المزيد من المقاعد في الانتخابات المقبلة. ومن المعروف أن ملفات القدس والمسجد الأقصى المبارك تعتبر من الملفات التي يتولى إيتمار بن غفير إدارتها شخصيا. وهذا يدفعنا إلى توقع الأسوأ في المسجد الأقصى خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن قضية الأماكن المقدسة في الخليل ونابلس والقدس هي الأولوية القصوى لشريحة مهمة من ناخبي اليمين المتطرف في إسرائيل. ولذلك شهدنا تقدما مهما على هذا المستوى العام الماضي وبداية العام الحالي من خلال إجراء تغييرات جوهرية في الحرم الإبراهيمي في الخليل، شملت نقل إدارته الدينية من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى المجلس الديني في مستوطنة كريات أربع، وسحب صلاحيات الترميم والإصلاح في المسجد من بلدية الخليل وتسليمها إلى الإدارة المدنية للجيش الإسرائيلي. أما مقام “قبر يوسف” في نابلس، فقد أقر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، نهاية العام الماضي، تمديد فتحه أمام المستوطنين حتى اليوم التالي، بعد أن كان فتحه ليلاً فقط. وتم تنفيذ هذا القرار مؤخرًا، ويبدو أن هذا تمهيد لتطبيق هذه التغييرات نفسها في المسجد الأقصى. ولا ننسى هنا تصريحات نائب رئيس الوزراء ووزير العدل الإسرائيلي في منطقة حائط البراق خلال احتفالات عيد الحانوكا أواخر شهر ديسمبر الماضي، والتي وعد فيها المستوطنون بتمديد الساعات المخصصة لهم لاقتحام المسجد الأقصى تدريجيا. وهذا يعني أن ما تم تنفيذه قبل أيام في نابلس هو مقدمة لنفس الشيء في القدس. وفي خضم هذه الاستعدادات المحمومة، يأتي شهر رمضان المبارك في الأسبوع الثالث من شهر فبراير. إن الوقائع التي قرأناها في السطور السابقة تشير إلى أننا أمام شهر مليء بالتحولات التي قد تلقي بظلالها على مستقبل الأقصى. ولا يخفى هنا أن أي إجراءات وتغييرات تتم خلال شهر رمضان، هي في الواقع تهدف إلى الاستعداد لما بعد رمضان. في السنوات الثلاث الأخيرة، اعتاد الاحتلال على إجراء ما يشبه “التدريب” المكثف خلال شهر رمضان لترسيخ حقائق جديدة سيتم تطبيقها بعد الشهر، على أساس أن قدرة الاحتلال على تثبيت وضع معين رغم صعوبة ذلك خلال شهر رمضان كافية لإنجاح ذلك بعد ذلك بسهولة. وفي هذا الصدد، لدينا أربعة ملفات أساسية خلال شهر رمضان، سيكون لها تأثير جوهري على ما سيحدث بعد نهاية الشهر في المسجد الأقصى: الأعداد، والمداهمات، والاعتكاف، وباب الرحمة. وفيما يتعلق بأعداد الداخلين إلى المسجد خلال الشهر الفضيل، سبق لحكومة نتنياهو أن أعلنت عزمها منع سكان الضفة الغربية من الذهاب إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان المقبل، إلا في أضيق الحدود، بهدف تقليص أعداد الحضور إلى المسجد خلال هذا الشهر إلى الحد الأدنى الذي يمكن أن تتحمله إسرائيل. والحقيقة أن هذا الملف لا ينطبق فقط على سكان الضفة الغربية. ومنذ أكثر من عام، يطبق الاحتلال نفس القيود والضغوط على سكان القدس أنفسهم. وبهدف تقليص أعدادهم في المسجد، ينطبق الأمر أيضاً على فلسطينيي الخط الأخضر، حتى أصبح الوجود الفلسطيني في المسجد محكوماً بأعداد يحددها ضغط الاحتلال. ويتقاطع هذا الملف أيضًا مع ملف المداهمات التي حرص الاحتلال على استمرارها بشكل مكثف خلال شهر رمضان المبارك الماضي، خاصة وأن شهر رمضان الحالي -كما كان رمضان العام الماضي- يشهد تقاطعًا مع عيد المساخر الديني العبري، الذي كان في السابق يعتبر مجرد عطلة هامشية قبل أن تعمل جماعات المعبد المتطرفة التابعة للحركة الصهيونية الدينية على تحويله إلى موسم مركزي للمداهمات. ويتميز هذا العيد عن المناسبات الأخرى بأنه مناسبة دينية تاريخية سعيدة، وطريقة الاحتفال به تشبه إلى حد كبير الاحتفال بما يسمى “الهالوين” في العالم الغربي، حيث يرتدي المحتفلون أزياء غريبة، ولذلك يحرص المستوطنون، لمدة ثلاثة أيام خلال هذا العيد، على اقتحام المسجد بأزياء تتنافى مع قدسية المكان، ناهيك عن قدسية الشهر. وفي العام الماضي وقع يومين من هذا العيد يومي الجمعة والسبت، مما اقتصر على الغارات في يوم واحد فقط، وكان ذلك اليوم صعبا على المسجد. لكن هذا العام ستمر أيام المساخر الثلاثة (صوم أستير، بوريم، وبوريم شوشان) خلال منتصف أيام الأسبوع التي يقتحم فيها المستوطنون المسجد، وتحديدا أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء، الثاني والثالث والرابع من شهر مارس المقبل، وهذا سيتوافق تقريبا مع أيام 13 و14 و15 رمضان، أي أن هذا الحدث سيتزامن مع منتصف الشهر الفضيل. ولذلك سيسعى الاحتلال إلى استغلال هذه الأيام لتعزيز موقعه الذي يحاول ترسيخه على مدى السنوات الثلاث الماضية. وهو تفوق الاعتبار الديني اليهودي على الاعتبار الإسلامي في حالة تعارضهما. ولذلك، فمن المتوقع أن تشهد هذه الأيام الثلاثة مداهمات مكثفة واستفزازات شديدة ضد المسلمين في نهار رمضان، كما حدث العام الماضي في يوم واحد فقط، وهو ما قد يرفع احتمالية حدوث اشتباك بين الطرفين في المسجد إلى مستوى خطير. ولذلك يجب على الاحتلال أن يسعى بكل قوته إلى تقييد الوجود الإسلامي في المسجد خلال تلك الفترة إلى أقصى حد ممكن، لضمان التفوق النوعي للمستوطنين. وعليه، فإن هذا الملف قد يتقاطع أيضاً مع ملف مهم آخر أشعل معركة المسجد الأقصى قبل أربع سنوات، وهو ملف الاعتكاف، إذ يعمل الاحتلال منذ أربع سنوات على محاصرة وتقييد فكرة الاعتكاف في المسجد الأقصى بهدف منعها بشكل كامل، لأنها تتعارض من حيث المبدأ مع فكرة التقسيم الزمني للمسجد بين المسلمين واليهود. ويعتبر المستوطنون أن السماح للمسلمين بالاعتكاف ليلاً في المسجد الأقصى مع منع المستوطنين من دخوله بحرية في كل الأوقات، يخالف فكرة المشاركة في هذا المكان المقدس التي يطالبون بها، وهي في الحقيقة مقدمة لفرض التفوق اليهودي في حال تعارض الاعتبارات الدينية، كما ذكرنا أعلاه. فكما حاول الاحتلال بكل قوته منع الاعتكاف داخل المسجد العام الماضي، عليه أن يسعى بكل قوته لفرض معادلة منع الاعتكاف هذا العام، متسلحا بتزامن عيد المساخر مع منتصف الشهر الفضيل. ولذلك فإن إصرار المسلمين على استمرار الاعتكاف في المسجد، بل وحتى توسيعه، سيكون تحديا ينبغي فرضه على الاحتلال شعبيا في هذه المرحلة، خوفا من أن يعكس الاحتلال الأمر ويمنع الاعتزال تماما. وذلك لأن استقراء الأحداث التي شهدها المسجد الأقصى خلال السنوات الماضية يشير إلى أن الاحتلال يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في المسجد الأقصى للقفز على كل الإنجازات التي حققها الشعب الفلسطيني خلال التبرعات المختلفة في السنوات العشر الأخيرة. وهذا الأمر يفتح الباب للحديث عن أهمية باب الرحمة في هذه المعركة خلال شهر رمضان المبارك القادم. ويحاصر الاحتلال باب الرحمة منذ عدة أشهر ويفرض قيودا متزايدة على الدخول والصلاة فيه. وهو ما يعطي انطباعا بأنها تسعى لمحاولة إغلاقه بالقوة مرة أخرى انقلابا على إنجازات باب الرحمة عام 2019. وليس هناك فترة أفضل من شهر رمضان المبارك لتكريس هذا الأمر عمليا؛ وقد يحاول الاحتلال تقليص الوصول إلى الباب خلال شهر رمضان إلى أقصى حد ممكن، مما يمكنه من إغلاقه مرة أخرى بعد انتهاء شهر رمضان. ولذلك فإن إحياء الصلوات والعبادات المختلفة في باب الرحمة خلال شهر رمضان المقبل أصبح ضرورة لا غنى عنها لكسر إرادة الاحتلال على الأهالي. سيكون شهر رمضان المقبل مقدمة للخطوات الجذرية التي يريد الاحتلال اتخاذها بعد نهاية الشهر، ولذلك لا بد من عدم الاستهانة بأي خطوة يتخذها الاحتلال خلال شهر رمضان، مهما بدت صغيرة. بل على العكس من ذلك، يجب استغلال الروح الخاصة التي يتميز بها الشهر الفضيل في القدس والمناطق الفلسطينية لفرض تراجعات جديدة على الاحتلال بفعل الضغوط الشعبية، وإثبات حقيقة الردع الشعبي والذاتي للاحتلال عن الاقتراب من المسجد الأقصى. فالقضية لم تعد تحتمل أنصاف الحلول اليوم. الأقصى إما لنا بالكامل أو للاحتلال بالكامل، وهذه هي المعادلة الصفرية الحقيقية في هذا المكان. أما الدعاية التي ينشرها الاحتلال عن «المشاركة» و«المساواة» و«التقاسم»، فهي غير مقبولة شكلاً ومضموناً، ناهيك عن أنها في حد ذاتها كذبة كبيرة. ومأساة الحرم الإبراهيمي في الخليل خير دليل.



