اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-04 18:34:00
هناك لحظات في التاريخ لا تأتي فيها تحولات كبرى على ظهر الجيوش، بل تأتي على شكل وثائق قانونية تبدو للوهلة الأولى إدارية ومحايدة، لكن يتبين بعد ذلك أنها تحمل في داخلها انقلابا كاملا لفكرة السيادة والحق العام. وما نشرته صحيفة الغارديان عن مشروع قرار لما يسمى بمجلس السلام المكلف بإدارة غزة يندرج ضمن هذا القسم المثير للقلق. ويقترح المشروع، كما أوردت الصحيفة، منح المجلس وأعضائه وإدارته والتكنوقراط العاملين معه والقوات الدولية والمقاولين الأجانب حصانة قانونية شاملة ضد أي ملاحقة قضائية داخل قطاع غزة. كما يمنح المجلس صلاحية تملك الأملاك العامة دون أي مقابل مالي. وهذه ليست مجرد ترتيبات إدارية، بل هي محاولة لإقامة سلطة استثنائية فوق القانون وخارج نطاق المساءلة. وتعرف هذه الظاهرة في الفقه السياسي بالاستثناء السيادي، أي إنشاء سلطة يمكنها ممارسة صلاحياتها دون الخضوع للقواعد التي يخضع لها الآخرون. عندما تمنح هيئة انتقالية لنفسها حصانة مطلقة، فإنها لا تنشئ إدارة مؤقتة، بل تؤسس لامتياز سياسي وقانوني يقترب من فكرة الوصاية الدولية. يقوم جوهر الدولة الحديثة على مبدأ بسيط وهو أنه لا أحد فوق القانون. والحصانة ليست إعفاء من المسؤولية، بل هي حماية وظيفية محدودة ومقيدة. أما الحصانة المطلقة فهي تخلق طبقة سياسية وقانونية محصنة ضد الرقابة والمحاسبة، وهو ما يتناقض مع المبادئ الأساسية لدولة القانون. والأخطر هو منح المجلس حق الاستيلاء على الأملاك العامة دون تعويض. الممتلكات العامة ليست أصولاً مهجورة في انتظار إدارتها. بل هي ملكية جماعية للشعب الفلسطيني، وتمثل أحد أهم عناصر سيادته الاقتصادية، والاستيلاء عليها دون تعويض أو تفويض وطني يقترب من مفهوم المصادرة السياسية. لقد عرف التاريخ الحديث أن السيطرة على الأراضي والأملاك العامة هي الخطوة الأولى لإعادة تشكيل الواقع السياسي لأي مجتمع، ومن يملك الأصول لديه القدرة على توجيه الاقتصاد، وإعادة توزيع النفوذ، ورسم الخريطة الاجتماعية الجديدة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: من أعطى هذه الهيئة حق التصرف في موارد غزة؟ ومن يملك الشرعية لنقل أو إعادة إدارة الأصول العامة بعيداً عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية؟ وأي سلطة لا تستند إلى تفويض شعبي أو شرعية وطنية تتحول مهما كانت شعاراتها إلى سلطة أمر واقع. وليس من قبيل الصدفة أن تأتي هذه الأفكار في وقت تعيش فيه غزة إحدى مراحلها الأكثر هشاشة وإرهاقا. غالباً ما تصبح المجتمعات المنكوبة بيئة مناسبة لفرض ترتيبات استثنائية تحت عنوان إعادة الإعمار أو إدارة ما بعد الحرب، لكن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مرادفة لإعادة توزيع السيادة. وأخطر ما تكشفه هذه المسودة ليس فقط أحكامها القانونية، بل الفلسفة التي تقف وراءها. فهو يستند إلى تصور ضمني يعتبر غزة منطقة تفتقر إلى القدرة السياسية، وتتطلب إدارة رفيعة المستوى محصنة ضد الرقابة الشعبية والقضائية. ويعيد هذا المنطق إلى الأذهان نماذج تاريخية أدارت فيها السلطات الانتقالية المناطق المنكوبة، ثم تحولت تدريجياً إلى أنظمة وصاية طويلة الأمد. يمكن للشعوب أن تقبل المساعدة الدولية، وترحب بجهود إعادة الإعمار، لكنها لا تقبل أن تتحول المساعدة إلى انتقاص من السيادة، أو أن يصبح إعادة الإعمار جسراً لإقامة سلطة فوق القانون. ولذلك فإن ما كشفته صحيفة الغارديان لا ينبغي النظر إليه على أنه تفصيل إداري عابر. إنه جدل حول مستقبل غزة نفسها: هل ستكون غزة أرضاً يحكمها أهلها وفق القانون، أم أرضاً استثنائية تحكمها الحصانات والمصادرات والأوامر غير الخاضعة للمساءلة؟ في السياسة كما في القانون، أخطر أشكال المصادرة ليست مصادرة الأراضي وحدها، بل مصادرة حق الشعب في أن يكون صاحب القرار في أرضه ومستقبله.




