اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-09 15:22:00
واشنطن – شبكة القدس: أدى نشر ملفات إبستين الأخيرة إلى قلب مواقع التواصل الاجتماعي رأسا على عقب، وسط سباق محموم للتحقق من أخلاقية الأسماء المدرجة وغير المدرجة فيها. هذا الهوس بـ “الأسماء الموجودة في الملفات” يبرئ المؤسسات الأمريكية فعليا، ويفرض حجابا من الفساد الفردي، ومن خلال تصوير شبكة إبستين على أنها مجموعة سرية من الجهات الفاعلة الشائنة التي تم ابتزازها سياسيا، يفشل هذا الخطاب في إدراك أننا لا نشهد شذوذا في السلطة، بل نشهد بالأحرى مظهرا من مظاهر واقعها البنيوي. ونتيجة لذلك، فإن السرد السائد عبر الانقسام السياسي يشير إلى أن دعم واشنطن الثابت للاحتلال الإسرائيلي، وتواطؤها المباشر في الإبادة الجماعية في غزة، هما نتيجة للإكراه السياسي من قبل أجهزة استخبارات خارجية. ويعاني هذا الإطار التحليلي من القصور، لأنه يرتكز على افتراض خاطئ مفاده أن الطبقة السياسية الأميركية تسترشد بطريقة أو بأخرى ببوصلة أخلاقية ليبرالية؛ إن دعمها لعمليات القتل الجماعي يشكل انحرافاً عن قيمها الطيبة المفترضة. ومع ذلك، فإن النخب الاستعمارية والرأسمالية الغربية لا تحتاج في الواقع إلى الابتزاز لتبرير مشاركتها في تدمير حياة الفلسطينيين؛ فالتحالف الأميركي الصهيوني متجذّر في دوافع مادية وأيديولوجية، إذ تعمل «إسرائيل» كقاعدة متقدمة للهيمنة الأميركية ومختبر عسكري وصناعي استراتيجي في المنطقة. وكان التهجير والاستعباد والإبادة المنهجية للشعوب الأصلية نيابة عن رأس المال الأوروبي المتوسع من السمات الرئيسية للإمبراطورية الأميركية منذ نشأتها في عام 1492. وتمثل الإبادة الجماعية في غزة التعبير المعاصر عن هذا الإرث التاريخي، ولهذا السبب فإن الإشارة إلى أن الدعم الأميركي لاستعمار فلسطين كان نتاج ابتزاز سياسي يتجاهل قروناً من الفظائع الأميركية في مختلف أنحاء العالم؛ إن التزام الولايات المتحدة بمشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني يبقى ثابتاً بغض النظر عمن سيتولى منصبه، لأن المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية تتطلب ذلك. “الحيوانات البشرية” يعتمد هذا الإطار الإمبراطوري على عملية مستمرة من التجريد من الإنسانية، وهي عملية تسهل الإبادة التي ترعاها الدولة والاتجار بالجنس؛ وفي كلتا الحالتين، يتم تجريد الإنسان بشكل منهجي من حقوقه السياسية والأخلاقية وتحويله إلى مجرد شيء أو سلعة. لقد كان تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم شرطاً مسبقاً للإبادة الجماعية في غزة؛ عندما يتم تصوير شعب بأكمله على أنه “تهديد ديموغرافي” أو “حيوانات بشرية”، فإن القضاء عليه لم يعد يعتبر جريمة، بل ضرورة لوجستية لـ “أمن” الدولة الاستعمارية الاستيطانية. في حالة شبكة إبستين للاتجار بالبشر، تم تحويل الضحايا إلى أشياء مستهلكة يمكن الاتجار بها واستغلالها لمصالح ومتعة طبقة النخبة. وليس من قبيل الصدفة أن يظهر أعضاء من نفس الطبقة السياسية والاقتصادية التي سهلت التطهير العرقي لمليوني شخص في غزة على قائمة المعتدين الجنسيين المحتملين؛ الأمر هنا لا يتعلق بجماعة سرية اختطفت الدولة؛ بل هي فئة من الناس تقوم رؤيتها الأيديولوجية والمادية على الاستغلال المطلق للآخرين. بالنسبة للقوى الإمبريالية، فإن الجسد – سواء كان جسد طفل فلسطيني في قطاع محاصر، أو شخص يتم الاتجار به على جزيرة خاصة – يتم تقليصه إلى مجرد أداة للحفاظ على الهيمنة السياسية والاستغلال الجنسي. إن الانحطاط الأخلاقي الذي تظهره ملفات إبستين هو مجرد امتداد داخلي للانحطاط الذي تصدره هذه النخب نفسها إلى الجنوب العالمي؛ وتعكس جرائمهم الجنسية الخاصة نفس مبادئ الإمبراطورية التي تعكسها جرائمهم السياسية العامة العنيفة. في الواقع، جرائمهم الجنسية تتفق تمامًا مع نظرتهم التفوقية للعالم؛ إذا كانت طبقة النخبة لا تمانع في التوقيع على أوامر بذبح الأطفال لتحقيق مكاسب جيوسياسية، فلا ينبغي لنا أن نفاجأ بتورطهم في الاتجار بالجنس. ويتعين علينا أيضا أن نرفض الكسل الفكري الذي يسعى إلى تأطير هذا الانحطاط الإمبراطوري والرأسمالي من خلال عدسة نظريات المؤامرة؛ تعتمد هذه النظريات غالبًا على الصور النمطية الغربية المعادية للسامية لتفسير الفساد والشر، وحماية هياكل السلطة الغربية بشكل فعال من خلال الخلط بين اليهودية والصهيونية. وهذا الارتباك يخدم صناع القرار الغربيين من خلال خلق طبقة عازلة يُلقى عليها اللوم في نتائج المشاريع الإمبريالية في جميع أنحاء العالم. داخل هياكل الإمبراطورية، يظل الموظفون العموميون عملاء للإمبريالية بغض النظر عن هوياتهم الدينية أو العرقية. ويظل ولائهم وهدفهم الأساسي هو الحفاظ على النظام الرأسمالي العالمي. الرواية الكاذبة: الرواية السائدة التي تختزل المشروع الصهيوني أو شبكة إبشتاين في عمل “جماعة يهودية” تهدف إلى تبرئة الهياكل والنخب الاستعمارية الغربية، وبالتالي إعفاء القوى الإمبريالية من المسؤولية عن مشروع احتضنته تاريخيا. وتشير هذه الرواية بشكل خاطئ إلى أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية هي بمثابة اختطاف للأجندة الأميركية، وليست شراكة محسوبة واستراتيجية بين قوتين استيطانيتين استعماريتين. إن تأطير النضال التحريري كمعركة ضد مؤامرة دينية هو تجاهل ساذج للظروف المادية للتطهير العرقي، وسرقة الأراضي، والسيطرة على الموارد، ويتم تعزيز هذا الإلهاء من خلال الاقتصاد الخوارزمي لوسائل التواصل الاجتماعي، الذي يكافئ المشاركة من خلال إعطاء الأولوية للأكاذيب المثيرة على حساب التحليل الهيكلي والمعلومات الدقيقة. إن محاولات “جمع” الإعجابات من خلال نشر نظريات سخيفة تقوض الشرعية السياسية للقضية الفلسطينية، وسط موجة من التغريدات واسعة الانتشار التي تدعي بلا خجل أنها تكشف عن أدلة على طقوس دينية قديمة، تستند فقط إلى أخطاء رقمية واضحة. في مثل هذه الروايات الملفقة، يتم تصوير مهندسي إبادة غزة على أنهم مدفوعون بالأساطير القديمة، وليس بالمواد العسكرية الحديثة والمنطق التكنولوجي للاستغلال والهيمنة الجيوسياسية؛ وحتى عندما يستخدم الجناة لغة شعائرية، فإن القنابل التي يتم إسقاطها على غزة تظل أدوات لمشروع استعماري استيطاني واضح ومطلق لدرجة أنه يتعين علينا فك أسراره من الوثائق المسربة. ومع ذلك، فإن المؤامرات الفعلية للقوى الإمبريالية نادرًا ما تكون سرية: فهي تُنشر في أوراق سياسية تصدرها مؤسسات الفكر والرأي، ويناقشها قادة العالم، وتكتبها المؤسسات الأمريكية والدولية. الملايين من الضحايا على مدى قرون من الاستعمار الأوروبي والأمريكي يسلطون الضوء على الطبيعة الحقيقية لهذه المشاريع الإمبريالية والرأسمالية. إبستين ليس حالة شاذة، ولكنه انعكاس حقيقي للطبقة الاستعمارية والرأسمالية التي تشعر بأنها لا تقهر في قدرتها على استغلال العالم بأسره. إن الإبادة الجماعية في غزة وشبكة إبستاين للإتجار بالبشر ليستا ألغاز يجب فك شفرتها؛ إنها النتيجة المنطقية للنظام المادي الذي ينظر إلى البشر كسلع يمكن التخلص منها منذ عام 1492. المصدر: ميدل إيست آي.



