اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-24 18:31:00
للوهلة الأولى، يبدو هذا السؤال ضربا من الخيال أو ممارسة للحلم السياسي. إن العالم اليوم، الذي اعتاد على وجود «إسرائيل» كأمر واقع منذ أكثر من سبعين عاما، يعتقد أن هذا الكيان جزء من الطبيعة الجغرافية أو من النظام الدولي القائم. لكن الحقيقة التاريخية البسيطة تقول إن ما بني على الظلم، وعلى أنقاض شعب آخر، لا يمكن أن يستمر. إن فكرة زوال الكيان الصهيوني ليست دعوة للانتقام أو الإبادة، بل هي دعوة لتحرير الإنسان من أكثر المشاريع عنصرية واستعمارية في القرن العشرين، واستعادة العدالة كمبدأ كوني عالمي. السؤال إذن ليس: هل سيختفي الكيان؟ بل: كيف سيكون شكل العالم بعد زواله؟ إن تصور عالم بدون «إسرائيل» هو تصور عالم أكثر صدقاً مع نفسه، وأكثر اتساقاً بين شعاراته وممارساته. عالم لا يحكمه منطق القوة والعنصرية والتفوق، بل يحكمه منطق الحق والكرامة والإنسانية. وعندما نتأمل المشهد بعمقه ندرك أن زوال الكيان الصهيوني لن يكون حدثاً محلياً فحسب، بل تحولاً ثقافياً عالمياً سيعيد ترتيب المفاهيم والسياسات، ويحدث مراجعة عميقة في الضمير الإنساني. ولم يكن هذا الكيان منذ تأسيسه دولة طبيعية، بل هو مشروع استعماري بديل، يقوم على محو الآخر، وليس التعايش معه. لقد كان مثالا صارخا على تطبيق فكرة الاستعمار الأوروبي القديم في قلب بلاد الشام العربية، في مرحلة ما بعد الاستعمار. لقد حافظت على بقائها من خلال ثلاث ركائز: الدعم الغربي المطلق، والهيمنة العسكرية، والتفوق الدعائي في الخطاب الدولي. لكن هذه الركائز بدأت تتآكل أمام صمود الشعب الفلسطيني، وتحول الوعي العالمي، وتغير ميزان القوى في النظام الدولي. وعندما تسقط آخر تجليات هذا المشروع، لن تكون نهاية كيان سياسي فحسب، بل نهاية مرحلة كاملة من تاريخ البشرية، كانت العدالة فيها مجرد شعار، وتم تجريم الضحية والاحتفاء بالمحتل. اختفاء الكيان يعني أن الحقيقة استطاعت أن تصمد، وأن الذاكرة لم تمحى رغم كل محاولات الطمس والتزوير. وفي اليوم التالي لاختفاء الكيان، ستتغير خريطة الوعي قبل أن تتغير خريطة الأرض. إن فلسطين، الأرض التي أصبحت رمزا عالميا للمقاومة، ستنفتح على أفق جديد للحياة: حياة لا تحرسها البنادق، بل تظلها الكرامة. وسيستعيد اللاجئون حقهم الطبيعي في العودة إلى مدنهم وقراهم التي لم تفارق ذاكرتهم، وسيتم إعادة بناء المجتمع الفلسطيني على أساس العدالة والمواطنة المتساوية. لن تكون فلسطين بعد التحرير مجرد دولة جديدة تضاف إلى الأمم، بل فكرة جديدة للإنسانية، تثبت أن مقاومة الظلم لا تذهب سدى، وأن النصر ممكن ولو تأخر. أما المنطقة العربية فستخرج من عقدة الهزيمة التي كبلت وعيها منذ عام 1948. وستستعيد الشعوب العربية ثقتها في أن التغيير ممكن، وأن الاحتلال ليس قدرا أبديا. ستتحرر الأنظمة من ذرائع الخوف، وستُعاد توجيه البوصلة نحو البناء الداخلي، وليس التبعية الخارجية. وسيولد جيل عربي جديد، يتربى على فكرة السيادة والكرامة بدلا من الخضوع والتبعية. إن زوال الكيان الصهيوني سيكون تحريراً للوعي الجمعي العربي من عقدة الضعف والرضا بالواقع. وعلى المستوى العالمي، سيكون لهذا الحدث تأثير مشابه للزلزال الأخلاقي. لقد عاش الغرب لعقود من الزمن في تناقض صارخ بين مبادئه المعلنة ودعمه غير المشروط لدولة تمارس الفصل العنصري والتمييز العرقي بشكل منهجي. عندما تختفي «إسرائيل»، ستنكشف أمام العالم الازدواجية الأخلاقية التي طالما أعاقت إمكانية إقامة نظام دولي عادل. وسوف يضطر الغرب إلى مراجعة تراثه الاستعماري وإعادة النظر في مفهوم التحالفات التي بنيت على الهيمنة، وليس القيم. وستكون هذه المراجعة فرصة حقيقية لاستعادة العدالة كقيمة إنسانية شاملة لا تخضع لحسابات المصالح. كما أن النظام الدولي سيشهد تحولاً في ميزان القوى. لقد كان المشروع الصهيوني دائماً جزءاً من هندسة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط. وباختفائه فإن المنطقة سوف تنفتح على نماذج جديدة من التعاون الإقليمي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وستنخفض صناعة الحرب وتجارة الأسلحة التي يغذيها الصراع، وستذهب الموارد نحو التنمية والبناء. وستكون فلسطين – بعد تحريرها – مركزاً جديداً للسلام العادل، وليس السلام المفروض، ومختبراً لنموذج للتعايش الإنساني الحقيقي بين مكوناتها الدينية والثقافية. نهاية الكيان الصهيوني ليست نهاية اليهود كما يحاول الخطاب الصهيوني تضليل العالم، بل هي نهاية استخدام الدين لتبرير الاستعمار والتمييز. إن اختفاء هذا الكيان سيفتح الباب أمام المصالحة التاريخية بين الأديان، عندما يتحرر اليهود أنفسهم من أسر الأيديولوجيا التي اختطفت تاريخهم وجعلتهم وقودا لمشروع سياسي استعماري. وفي فلسطين الجديدة لن يكون هناك مجال للكراهية، بل مساحة للعدالة العادلة للجميع. وعلى المستوى الأخلاقي، سيمثل هذا الحدث عودة التوازن إلى الضمير الإنساني. إن العالم الذي صمت طويلاً أمام المجازر والحصار والتمييز، سيكتشف أنه كان شريكاً في الجريمة بصمته. وعندما يختفي الكيان، سيكون ذلك عفواً متأخراً من الإنسانية عن نفسها، واعترافاً بأن العدالة لا تسقط بالتقادم. وسوف تتحرر الأمم المتحدة والمنظمات العالمية من عقدة الخوف من «الفيتو» الأميركي عندما تدرك أن إرادة الشعب هي التي تصنع الشرعية، وليس قرارات الدول الكبرى. أما بالنسبة للوعي الإنساني العام، فإن فلسطين بعد التحرير ستصبح رمزا عالميا لإمكانية التغيير. وكما كانت جنوب أفريقيا في نهاية نظام الفصل العنصري، وكما كانت فيتنام بعد طرد الاحتلال الأمريكي، فإن فلسطين ستكون نموذجاً لما يمكن أن تفعله الإرادة الإنسانية عندما تتمسك بالحقيقة. وسوف ينتشر تأثيرها إلى حركات العدالة في جميع أنحاء العالم، من مناهضة العنصرية في أمريكا اللاتينية إلى حركات التحرر البيئي والاجتماعي في أوروبا وآسيا. لقد كانت القضية الفلسطينية دائما مرآة تعكس صراع العالم بين الحق والباطل، بين الإنسان وقوى الاستبداد، وزوال الكيان الصهيوني سيعطي هذا الصراع معنى جديدا وأنقى وأوضح. سيقول البعض إن هذا المشهد مثالي، أو بعيد المنال، لكن تاريخ البشرية كله يقوم على تحولات بدت مستحيلة. فمن سقوط الإمبراطوريات إلى انهيار جدار برلين، ومن تحرير الجزائر إلى نهاية الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كل هذا حدث لأن الناس لم يستسلموا لفكرة “الواقع الدائم”. وكذلك فلسطين؛ إن زوال الكيان ليس خيالا، بل نتيجة منطقية لمسار الظلم الذي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. فالاستعمار بطبيعته يحمل في طياته بذور زواله، لأنه يقوم على الإكراه لا على القناعة، وعلى القمع لا على الشرعية. ولعل أعظم ما سيحدث بعد زوال الكيان هو تحرر الفلسطينيين من عبء الدفاع عن حقوقهم. على مدى عقود، اضطر الفلسطيني إلى تبرير وجوده وإثبات إنسانيته أمام عالم يكافئ جلاده. وعندما ينتهي نظام الاحتلال، سيكون الفلسطيني حراً في العيش، وليس في تبرير وجوده. سيعيد بناء نفسه وثقافته ومدينته، وسيعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره هو، وليس من رواية الآخر. سيتم إحياء القرى التي مُحيت من الخرائط، وستفتح أعين الأطفال على أسماء الأماكن كما كانت تنطق قبل النكبة. سيعود البحر إلى يافا، والروح إلى القدس، والماء إلى النقب، ويعود الإنسان إلى نفسه. وستصبح فلسطين نموذجاً للدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية، وليس على الانتقام والإقصاء. إن القيمة الكبرى للتحرر لا تكمن في سقوط الجدران، بل في بناء الإنسان الحر الذي لا يعيد إنتاج القمع بطريقة أخرى. عندها فقط سوف يتنفس العالم هواءً جديداً. وسوف تنحسر الكراهية في الشرق والغرب، لأن أحد أكبر أسبابها ـ ازدواجية الموقف من فلسطين ـ سوف يختفي. ستفتح صفحة جديدة في العلاقات الدولية، لا تعتمد على منطق «القوي دائما على حق»، بل على منطق «الحق هو ما يعطي القوة معناها». وسيتحول الشرق الأوسط من بؤرة للتوتر إلى مركز للحوار الحضاري، وستكون فلسطين المحررة قلب هذا التحول. إن تصور العالم بعد زوال الكيان الصهيوني ليس دعوة إلى الحرب، بل إلى سلام عادل وممكن، سلام لا يقوم على التنازل عن الحقوق، بل على استعادتها. إنه حلم الإنسان عندما يتحرر من الخوف، وبالعالم عندما يواجه نفاقه، وبالعدالة عندما ينهض من تحت الركام. سيأتي اليوم الذي نرى فيه هذا العالم، ليس لأننا نحلم كثيرًا، بل لأننا نعلم -كما قال محمود درويش- أن على هذه الأرض ما يستحق أن نحياه، وأن ما بني على القهر لا يدوم، وأن الحقيقة مهما طال غيابها تعرف طريق العودة. وعندما تعود الحقيقة ستعود فلسطين، ومعها يولد العالم من جديد.




