اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-23 18:16:00
ليست كل الزيارات تقاس بالزمن، ولا كل الأماكن تبقى عندما نغادرها. هناك أماكن تدخلها وتخرج منها شخصاً مختلفاً، ولو قليلاً. هذا ما حدث خلال زيارتي لقرى الأطفال SOS في بيت لحم. اعتقدت، كما ظن الكثيرون، أنني ذاهب إلى مؤسسة إنسانية تحمل ملفات وتقارير وأرقام وإحصائيات عن الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية. لكنني اكتشفت منذ اللحظة الأولى أنني ذاهب إلى اختبار إنساني هادئ، إلى مكان يعيد تعريف معنى العائلة، ومعنى البقاء، ومعنى بقاء الإنسان إنساناً رغم كل الألم المكتوب عليه. قبل أن تطأ قدماك العتبة، تتخيل مؤسسة تشبه المؤسسات: مكاتب وتعليمات وروتين يومي بارد. لكنك تفاجأ بشيء آخر تماما. بصوت طفل يضحك وكأنه يتحدى العالم، وبرسومات صغيرة معلقة على الجدران، وألعاب متناثرة لا تعبر عن الفوضى بقدر ما تعبر عن الحياة. هناك، في تلك القرية التي تأسست عام 1968، لا تشعر بأنك داخل «مركز رعاية»، بل داخل محاولة إنسانية عميقة لترميم ما كسرته الحياة في نفوس صغيرة لم تمنح طفولتها سوى اسم. أول ما لفت انتباهي هو التناقض المؤلم بين خفة الأطفال وثقل ما يحملونه بداخلهم. أطفال يركضون ويضحكون ويلعبون، لكن وراء كل ضحكة قصة خسارة أو خوف أو حرب أو غياب. بعضهم جاء من غزة، من رفح تحديداً، من أماكن لم تترك فيها الحرب حجراً ولا ذكرى إلا وجراحها. خرج الأطفال من تحت الدخان والركام ليصلوا إلى منزل كان يحاول أن يخبرهم أن العالم ليس كله خراباً. وفي لحظة ما، أمسك طفل صغير بيدي دون أي إصرار، وكأنه اتخذ قرارًا داخليًا سريعًا بأن هذا الشخص في أمان. لقد كانت لحظة بسيطة على السطح، لكنها هزت شيئًا عميقًا بداخلي. أدركت بعد ذلك أن الأطفال لا يختبرون الأشخاص بالكلمات، بل بالمشاعر. لا يسأل الطفل عن موقفك أو موقفك أو أفكارك السياسية، بل يسأل غريزيًا: هل ستؤذيني أم ستطمئنني؟ هل ستبقى أم ستغادر مثل كثيرين غيرها؟ فتاة صغيرة لفتت انتباهي كثيرا. وكانت أصغر إخوتها. وصلت إلى القرية عندما كان عمرها سنة وثمانية أشهر فقط، وكانت تعاني من صعوبة في التحدث والاندماج. ربما سرقت منها الحرب شيئًا أعظم من قدرتها على الكلام؛ لقد سرق إحساسها الأول بالأمان. لكن الرعاية اللطيفة والصبر البشري والعناق اليومي أعادتها إلى الحياة تدريجياً. بدأت تذهب إلى روضة الأطفال، وتشارك ألعابهم مع الأطفال، وتضحك دون خوف. لقد بدت وكأنها معجزة صغيرة، لكنها في الواقع نتيجة الحب عندما يتحول إلى عمل يومي صامت. في هذا المكان، لا تتم المعجزات بالخطابات الصاخبة أو الشعارات الكبيرة. بل هي مصنوعة بتفاصيل صغيرة قد لا يراها أحد: يد تربت على كتف طفل مذعور، مراقبة نفسية لطفل يخاف النوم بمفرده، أو أم بديلة تقضي الليل بجوار طفل مريض حتى يهدأ. وهنا يصبح العناق شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية ضد القسوة. وما أثار تفكيري أيضًا هو أن قرى الأطفال SOS لا تتعامل مع الأطفال باعتبارهم “حالة إنسانية” تحتاج إلى التعاطف. الشفقة تختزل الإنسان إلى ضعفه، بينما تحاول هذه المؤسسة أن ترى فيه إمكاناته، ومستقبله، وحقه الطبيعي في الحياة. ولذلك فإن دورها لا يقتصر على الرعاية، بل يمتد إلى حماية الأسرة نفسها من الانهيار، من خلال الدعم الاقتصادي والنفسي والاجتماعي للأسر الهشة، لأن إنقاذ الطفل يبدأ أحياناً بإنقاذ المنزل الذي ينتمي إليه. ومنذ اندلاع الحرب على غزة، تحول هذا الدور إلى ضرورة وجودية. يحتاج عشرات الآلاف من الأطفال والأسر إلى دعم عاجل لاستعادة بعض التوازن وسط الانهيار الكامل لكل شيء طبيعي. لكن الأكثر إثارة للدهشة هو أن العاملين هناك يواصلون عملهم بهدوء، بعيدا عن الضجيج والعرض. وكأنهم يعتقدون أن أصدق الأعمال الإنسانية هي تلك التي تتم دون انتظار التصفيق. عندما غادرت المكان، لم يكن الشعور بالشفقة، بل كان نوعًا من المراجعة الداخلية القاسية. شعرت بعجز الإنسان أمام هذا الكم من الألم، لكنني أدركت أيضًا أن الاعتراف بالعجز ليس ضعفًا دائمًا؛ في بعض الأحيان تكون بداية الصدق. والأسوأ من العجز أن يعتاد الإنسان على المشهد حتى يصبح الألم طبيعياً لديه. غادرت هناك وأنا أفكر أن الأطفال لا يحتاجون إلى العالم كله، ولا إلى الثروة الكبيرة، ولا إلى الخطب الطويلة عن حقوق الإنسان. إنهم بحاجة إلى شيء أبسط وأعمق: أن يشعروا بالأمان، وأن يجدوا شخصًا لن يتركهم بمفردهم، وأن يُمنحوا الحق الطبيعي في أن يكونوا أطفالًا فقط. وربما لهذا بقي شيء مني هناك، بين رسمة معلقة على الحائط، وضحكة طفل يقاوم الحرب، ويد صغيرة كانت تبحث عن طمأنينة مؤقتة في عالم مضطرب. هناك أدركت أن الإنسانية لا تقاس بما نقوله عن الرحمة، بل بما نفعله عندما نواجه هشاشة الآخرين. ملاحظة 1: إحدى العائلات التي تم إجلاؤها من قطاع غزة – من قرية الأطفال SOS التي كانت في رفح قبل الإخلاء. وهم مجموعة من الأشقاء البيولوجيين (8 أطفال – أصغرهم طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات وأكبرهم فتى يبلغ من العمر 13 عاما) كانوا يعيشون مثل بقية الأطفال دون رعاية أسرية في قرية رفح. لكن عند الإخلاء تم نقلهم إلى مدينة بيت لحم، وتوفي والدهم أثناء الحرب وبعد أن تم إخلاءهم إلى مدينة بيت لحم. وكانت الطفلة الأصغر التي حضرت بعمر سنة وثمانية أشهر تعاني من صعوبات في النطق والاندماج، ولكن مع المتابعة المتخصصة والرعاية الأسرية المستقرة في قرية بيت لحم تحسنت الطفلة وأصبحت الآن تذهب إلى الروضة وتشارك في كافة الأنشطة الترفيهية مع أشقائها وبقية الأطفال. ملاحظة 2: تأسست قرية الأطفال SOS في بيت لحم عام 1968 وتضم اليوم 131 طفلاً. أطفال في 24 منزلاً وأنشئت قرية أخرى في رفح عام 2000، لكنها دمرت أثناء الحرب على غزة في مايو/أيار 2024. وتم إجلاء الأطفال البالغ عددهم 68 طفلاً إلى بيت لحم، كما تم إنشاء مخيم SOS لرعاية حوالي 90 طفلاً آخرين داخل قطاع غزة.



