اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-26 21:17:00
القدس المحتلة/PNN/ وصال أبو عليا – في القدس، لا يقاس التعليم بعدد الفصول أو بحداثة السبورة الذكية، بل بقدرته على حماية الذاكرة والحفاظ على الهوية وبناء إنسان قادر على الصمود وسط واقع استيطاني يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي قبل الجغرافيا. هنا، كل فكرة هي موقف، وكل مدرسة هي إمكانية البقاء. وفي هذا السياق، تبرز قصة ولاء أبو عصب كمثال استثنائي للمرأة الفلسطينية المقدسية، التي جمعت بين القانون والتعليم، وحولت تجربتها الشخصية إلى مشروع وطني هادئ، يرى في التعليم أعمق أشكال البقاء وأكثرها استدامة. الجذور… عندما تصنع المدينة وعي أبنائها ولدت ولاء أبو عصب في البلدة القديمة بالقدس، لعائلة مقدسية من أصول خليلية، في مدينة لا تمنح أطفالها رفاهية الحياة الطبيعية، بل تجعلهم منذ الطفولة على اتصال مباشر مع الأسئلة الكبرى: الهوية، الانتماء، والبقاء. شكلت الأزقة ونقاط التفتيش والوجود المستمر للاحتلال وعيًا مبكرًا بأن العدالة ليست مفهومًا نظريًا، بل حاجة يومية. يقول أبو عصب: “لقد نشأنا في القدس ونحن نفهم أن الهوية ليست شيئاً نملكه، بل هي شيء علينا أن نحميه كل يوم”. هذا الوعي شكّل بوصلتها لاحقاً، فاختارت دراسة الحقوق في جامعة القدس – أبو ديس، وحصلت على شهادة الحقوق عام 2011، مدفوعاً بإدراك عميق أن المعركة في القدس ليست فقط على الأرض، بل على الحقوق والرواية والمستقبل. وتعمل اليوم مستشارة قانونية في دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، حيث تستخدم خبرتها القانونية كخط دفاع عن الناس والمدينة. الفكرة… الأمومة تحولت إلى مشروع مجتمعي. فكرة التعليم لم تولد من دراسة جدوى أو خطة استثمارية، بل من حاجة أم تبحث عن بيئة تعليمية آمنة لطفليها جهاد وياسين. ومن هذه الحاجة الشخصية، وُلدت أول شركة صغيرة: حضانة آنجل، والتي بدأتها مع سبعة أطفال فقط، بما في ذلك طفليها. يستذكر أبو عصبت تلك اللحظة قائلاً: “لم أكن أفكر أنني أسس مشروعاً، كنت فقط أبحث عن مكان أشعر فيه بأن أطفالي آمنون نفسياً وإنسانياً قبل أي شيء آخر”. وفي غضون شهر واحد ارتفع العدد إلى 25 طفلاً، لتتحول المبادرة من حل فردي إلى مطلب مجتمعي، وأدركت ولاء أن ما بدأ بدافع أمومي يمكن أن يتحول إلى رسالة أوسع. من مشروع صغير إلى مؤسسة تعليمية، بدافع حبها للأطفال وإيمانها بأهمية السنوات الأولى في تشكيل الشخصية، التحقت ولاء أبو عصب بدبلوم موارد الطفولة وإدارة رياض الأطفال، وبدأت رحلة الترخيص والتطوير بمراحلها المختلفة (البراعم والبستان والإعدادية)، واضعة الجودة التعليمية في مقدمة الأولويات. وعلى مدى تسع سنوات، نما المشروع بهدوء ومثابرة. لقد بدأت بموظف واحد، واليوم يضم الصرح التعليمي أكثر من 30 موظفاً وموظفة. يقول أبو عصب: “كل مرحلة تعليمية مررت بها غيرت طريقة تفكيري، بعد البكالوريوس تغيرت رؤيتي، وبعد الماجستير تغيرت أدواتي، واليوم في مرحلة الدكتوراه أرى أن التعليم قضية وجود”. ومع تزايد ثقة أولياء الأمور وتخريج دفعات من الأبناء، جاءت المطالبات بإنشاء مدرسة تكمل المسار التعليمي، وكان إنشاء مدرسة أجيال في عام 2022 خطوة محورية. التعليم في القدس.. تحديات تتجاوز حجرة الدراسة. ولم يكن الهدف مجرد فتح مدرسة جديدة، بل خلق فضاء تعليمي يعيد احترام الهوية الفلسطينية ويقدم رواية وطنية صحيحة في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. تعمل مدرسة أجيال في بيئة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع السياسة والقانون، وتتقاطع الجغرافيا والإقامة. ومن أبرز التحديات الهجرة الداخلية نحو المنطقة (ج)، وما يصاحبها من هشاشة قانونية تهدد الاعتراف بالتعليم دون المساس بوضع الإقامة المقدسية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه المدرسة تحديات في البنية التحتية ناجمة عن عدم وجود تراخيص بناء، وضيق المساحات، وصعوبة تلبية شروط التهوية والإضاءة. وبخبرتها، تعاملت أبو عصب مع هذه التحديات باعتبارها “مشكلة وليست عائقا”، ووجدت الحلول القانونية التي مكنت المدرسة من الحصول على التراخيص اللازمة دون المساس بحقوق الطلاب. وتؤكد: “عندما يتعرض التعليم في القدس للتهديد، فإنني لا أعتبره تحديًا إداريًا، بل معركة قانونية ووطنية لا بد من خوضها حتى النهاية”. الفجوة التعليمية… صراع غير متكافئ. وفي القدس، يخوض التعليم الخاص معركة غير متكافئة مع نظام الاحتلال التعليمي الذي ضخ مليارات الشواقل إلى مدارسه من بنية تحتية متطورة ورسوم رمزية ورواتب عالية للمعلمين. ومن ناحية أخرى، تعاني المدارس الوطنية من محدودية الموارد، مما خلق فجوة تعليمية حقيقية وأدى إلى عزوف بعض أولياء الأمور. ورغم ذلك، لا تزال شريحة كبيرة من المجتمع المقدسي متمسكة بالمدارس الخاصة، مدركة خطورة المناهج الإسرائيلية. ويؤكد أبو عصب: “في مدارس بلدية الاحتلال يتم تدريس وطن إسرائيل وكأن فلسطين غير موجودة، وهذا أمر غير مقبول أخلاقيا وتربويا”. فلسفة تربوية تصنع الإنسان. في مدرسة أجيال، لا يُنظر إلى الطالب كرقم أو متلقي، بل كإنسان في طور التكوين. تعتمد المدرسة التعلم اللعبي في المراحل الأساسية، والاستكشاف والتفكير الناقد في المراحل الإعدادية. تبدأ عملية صقل الشخصية في سن الثالثة من خلال برامج مبتكرة مثل (القائد الصغير، المزارع الصغير، الطباخ الصغير)، لتأسيس المسؤولية والمهارات الحياتية مبكراً. ويشير أبو عصب: “لا نكتفي بتخريج طلبة الثانوية العامة، بل نعمل على بناء شخصية قادرة على مواجهة الاحتلال السمعي والبصري والفكري الذي يحيط بنا”. ويتم تعزيز هذه الفلسفة من خلال المخيمات الصيفية ومخيمات القرى المهجرة والعمل التطوعي وربط الطالب بالمجتمع المحلي والبلديات والمؤسسات الفلسطينية، ليبقى الوطن حاضرا في التجربة اليومية وليس في الكتب فقط. مدرسة في قلب المجتمع. توفر المدرسة بيئة آمنة ومحفزة، وتشارك في المسابقات التعليمية. والرياضة على مستوى القدس وفلسطين مما يؤدي إلى المشاركة الدولية. كما تقدم إعفاءات لأبناء الشهداء والأسرى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتسعى مستقبلاً للوصول إلى مرحلة التوجيهي، وإدخال نظام تكنولوجي متكامل، وتعزيز العمل التطوعي المجتمعي. قصة ولاء أبو عصب ليست قصة نجاح فردي، بل هي شهادة حية على أن التعليم في القدس هو عمل من أعمال البقاء، وأن المرأة عندما تمتلك المعرفة يمكنها أن تحول الأمومة إلى مشروع، والقانون إلى حماية، والمدرسة إلى ذاكرة حية. في مدرسة أجيال، المستقبل لا يُحفظ فحسب، بل يُكتب… طفلاً بعد طفل، وقصة بعد قصة، في مدينة تحاول كل يوم أن تجرد أبنائها من هذا الحق، فيعيدونه إليها بوعي. تم إعداد هذه القصة وإنتاجها ضمن مشروع خطوات الممول من الاتحاد الأوروبي.




