اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-06 09:21:27
عبد الحليم قنديل
إن اغتيال صالح العاروري لن يكون الحدث الأخير من نوعه، ولا هو الأول بالطبع. سبقتها اغتيالات أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي ويحيى عياش وعماد مغنية وعباس الموسوي وعشرات آخرين، ومن غير معنى أن هؤلاء ذهبوا للقاء ربهم، غير أنهم نالوا الشرف والشرف. قدسية الشهادة التي عاشوا من أجلها حياتهم. ومن أجلها، ودون أن يؤدي رحيلهم الجليل إلى أي انتكاسة في تاريخ حركات المقاومة الفلسطينية، التي أشعلت حروبها مع كيان الاحتلال الإسرائيلي في العقود الأخيرة، تحدت دعوة السلام الخاضع والتطبيع المذل كخيار استراتيجي ضعيف، وقدم المقاومة والتحرير كخيار استراتيجي أصيل، وعلى أساس الدم الذي يهزم. السيف، ودخل النضال الكبير بشعور الاستشهاد باعتباره القيمة الإنسانية العليا، التي قاتل بها أعلى قيمة تكنولوجية يملكها العدو ورعاته الأمريكان. وثبت خلال المواجهات والجولات الحربية على جبهة لبنان والجبهة الفلسطينية لاحقاً، أن القيمة التكنولوجية المضافة التي يمتلكها العدو لا يمكن أن تكتسب ما يعادل القيمة الاستشهادية. وبينما طورت الأخيرة عملها باستمرار واكتسبت قيما تكنولوجية تتحدى التكنولوجيا العسكرية للعدو، لم يتمكن كيان الاحتلال من تحقيق أي انتصار في أي معركة جرت في لبنان، وفي غزة بشكل خاص، حتى مصير المصير الذي تحقق. وأصبحت الهزيمة من نصيب الكيان حصراً، كما حدث ويحدث. منذ وقوع زلزال 7 أكتوبر وحتى اليوم.
وبحسب قواعد ومبادئ عمل المقاومة الجديدة، فإن خروج الشهيد العاروري وكبار رفاقه في عملية الضاحية الجنوبية لبيروت لن يكون له أي معنى لانتصار حقيقي لكيان الاحتلال الإسرائيلي، التي نفذت عملية الاغتيال بغارة بطائرة مسيرة متطورة تكنولوجياً، وكان من المتصور أن إقصاء العاروري وإخوانه قد يكون له تأثير. سلباً على مقاومة حماس وكتائب القسام في جنوب لبنان والضفة الغربية بشكل خاص. ربما تكون حماس قد فقدت قياداتها من ذوي الخبرة بالاغتيال، لكن ما لا تفهمه إسرائيل وأمريكا والغربيون عموما هو أن اغتيالات قادة المقاومة تزيد من لهيبها، وليس العكس، وأن تنظيمات المقاومة الجديدة بعقائدها الاستشهادية وأساليبها المتقنة الهيكلة تظهر قدرة غير عادية على استبدال القادة البدلاء على الفور، بنفس الكفاءة، إن لم تكن أكبر، حيث أن كل قائد يغادر لديه خمسة بدلاء على الأقل، وهو ما ثبت بشكل مؤكد مع كل عملية اغتيال كبرى.
حماس لم تنته باغتيال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، ولم تنته عملية التطور التكنولوجي وتصنيع الأسلحة باغتيال المهندس العبقري يحيى عياش، وسيكون دور حماس في لبنان، أو في الضفة الغربية، ولا تنتهي بالطبع باغتيال الشيخ العاروري الذي كان – كما هو معروف – زعيم الحركة. حماس في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وكان له الدور الأبرز في إعادة تنظيم حركة حماس في الضفة الغربية، وزيادة شعبيتها بشكل مطرد، وتطوير عمل المقاومة، وتزويدها بالسلاح والخبرة التي تحتاجها لتصنيعها. محلياً، بعد ترحيل الرجل قسرياً ونفيه الممتد الذي انتهى به في بيروت. لقد تعرض للأسر والسجن من قبل كيان الاحتلال مراراً وتكراراً، وكان استشهاده ذروة حضوره الفلسطيني العام. عاش في الضفة الغربية وفي المهجر سنوات طويلة، وكان هدوءه ومثابرته المستمرة أهم ما يميز شخصيته. وعرف بين قيادات حماس بتوجهه الوطني التوحيدي وسعيه لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية. وجعلت حركة فتح – الخصم التقليدي لحماس – من أوائل الذين نعواه وأدانوا اغتياله الذي كان العاروري نفسه ينتظره منذ سنوات. وكان اسمه على قائمة الاغتيالات الأولى التي أعلنها كيان الاحتلال رسمياً. وربما فرحت إسرائيل بإقصاء العاروري عن الحياة، وارتباط قيادته بالمقاومة. لكن العدو الجاهل لا يفهم أنه حقق أمنية الشهيد الغالية التي أعلنها. وقال مرات عديدة إنه يتمنى الشهادة، وإن شاء الله سيحقق مراده. وكان لردود أفعال والدته وشقيقته أهمية ملحوظة. ولم تبك أمه المسنة المقعدة، بل هنأت ابنها الشهيد بتحقيق أمنيته، وعزتها. وشقيقته تهنئ أهلها والشعب الفلسطيني باستشهاد شقيقها، وتعتبر أن النصر قادم وعليه الانتظار ساعة، وهو ما يبرز الفارق الثقافي والأخلاقي الهائل بين الفلسطينيين وعدوهم.
فالفلسطينيون لا يهابون الموت، ويعتبرون الاستشهاد أعظم مكافأة وهبة إلهية، بينما الإسرائيليون على العكس تماما، مما يجعل عمليات الاغتيال الإسرائيلية عديمة الجدوى وليس لها تأثير لصالح العدو، ويوحي بعواقبها. المعارك الدائرة الآن وفي المستقبل، وهو ما أدركه حتى بعض كبار الجنرالات في الكيان. الاحتلال اليوم. خذ على سبيل المثال الجنرال ايهود باراك. عمل رئيسا للحكومة، وقبلها وبعدها رئيسا للأركان ووزيرا لجيش الاحتلال، وكان مبكرا رمزا بارزا في اغتيالات قادة المقاومة الفلسطينية، منذ عملية الفردان التي قادها في بيروت عام 1973، حيث ارتدى باراك الزي العسكري. امرأة للاختباء، وتسلل إلى غرف قيادات فتح الثلاثة، يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر، وقتلوا جميعاً، دون أن يعني رحيلهم نهاية حركة فتح، ولا شيء من ذلك. حصل ذلك، حتى بعد أن تطورت عمليات الاغتيال إلى مقتل أبو إياد وأبو جهاد وحتى ياسر عرفات نفسه. تلك الدماء الشهيدة كانت الوقود الذي أشعل مخيلة أجيال المقاومة الجديدة، حتى بعد انتقال راية المقاومة من فتح إلى حماس، وقفزات المقاومة العفوية إلى مرحلتها الحالية، واكتساب قوة الجمع بين حس المقاومة. الاستشهاد بتكنولوجيا السلاح المتوفرة، بالإضافة إلى عقيدة القتال ووسائله الإبداعية، على غرار ما حدث ويحدث في حرب طوفان الأقصى، التي دفعت الجنرال باراك، في شيخوخته، وتاريخ خليفته الطويل بتخطيط وتنفيذ اغتيالات لكبار القادة الفلسطينيين، دفعه إلى استعراض الحصاد المأساوي لجرائم كيان الاحتلال، وفضح كذب إسرائيل بشأن مستشفى الشفاء، والاعتراف به علناً. وأن إسرائيل – وليس حماس – هي التي حفرت نفقاً تحت المستشفى في السبعينيات. وأعرب عن انزعاجه ومخاوفه من تراجع قدرة إسرائيل على البقاء لفترة طويلة. واعترف بأنه لا سبيل أمام إسرائيل لتحقيق أي نصر، وقال: إنها – أي إسرائيل – خسرت الحرب الدائرة منذ 7 أكتوبر برمتها، وهو ما يؤكد أن اغتيالات الزعماء لن تمنح إسرائيل فرصة لتزييف كذبة. وهم النصر، بينما جيشه وأجهزته الأمنية بأكملها في حالة من الذل.
نعم اغتيالات العاروري ومن يأتي بعده من قيادات حماس وجناحها العسكري كتائب عز الدين القسام، إضافة إلى مجازر الإبادة الجماعية في غزة والقصف الهمجي والهمجي ل الناس والحجارة بعشرات آلاف الأطنان من الصواريخ والقنابل الذكية والغبية، وزلازل الدمار الشامل وانفجار شلالات الدم، ومقتل نحو مائة ألف فلسطيني وجرح غالبيتهم الساحقة من النساء، الأطفال والرضع. تم القضاء على جميع موارد البقاء، وهدمت المخابز والمطاحن ومحطات المياه ومخازن الأدوية والمستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة. كل هذا، رغم مرارته ومآسيه، لن يغير أبداً الأهمية التاريخية للحرب المستمرة. لم يعد موجودا. إن إسرائيل تستطيع أن تحقق نصراً عسكرياً، فهي تواجه قتالاً متفوقاً من كتائب المقاومة الفلسطينية، وتواجه صموداً أسطورياً من الشعب الفلسطيني الأعزل، الذي لن يحقق هدف العدو في تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم المقدسة، رغم آلاف المجازر المستمرة، ورغم التعذيب والتجويع والتشريد والدمار وتقطيع أوصال الأطفال والنساء. والشيوخ.
رحيل العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، لن ينهي التأثير الملهم لنضاله، وسيكون كل طفل فلسطيني قائدا، كما قالت شقيقة العاروري، وقد تحليلات العصر يؤدي إلى توقعات في اتجاه أو آخر، مثل توقع رد مباشر مماثل من حماس أو من حزب الله. وكان العاروري حلقة الوصل الموثوقة مع قيادة حزب الله، ومع زعيمه حسن نصر الله بشكل خاص. الرد الانتقامي قد يأتي أو يتأخر، والعملية الإسرائيلية الجبانة قد تؤثر على سير الأحداث العسكرية، وقد تزيد من مستويات الاشتباكات بالنار على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة. كل هذا مفهوم، لكنه ليس العنصر الحاسم فيما حدث ويحدث. القصة ليست عن انتقام موقوت، ولا عن انتقام عشائري، بل هي أساس الحرب المستمرة على الأرض الفلسطينية، وفي غزة على وجه الخصوص. ولم تقم حركة حماس بأي انتقام مؤقت لاغتيال قائدها المؤسس الشيخ أحمد ياسين. وفضلت الرد ميدانياً، بتعزيز قوتها وتصنيع أسلحتها، وخوض حرب تحرير حقيقية، دون أن تقلق كثيراً من الانتقام من الناس مهما علت مكانتهم. وحتى لو اغتيل يحيى السنوار شخصياً، فإن ذلك لن يعني أبداً نهاية المقاومة، ولا نهاية تاريخ عبقريتها وإبداعها القتالي المذهل.


