اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-21 00:00:00
في كل مرة تتعثر فيها السياسة الدولية أمام اختبار أخلاقي جديد، يعود مشهد عرفات كتذكير حاد بأن الإنسانية ما زالت تتمتع بقدرة رمزية على الالتقاء فيما وراء خرائط القوة. يتحرك الملايين من الناس نحو نقطة واحدة، يرتدون ملابس متشابهة، ومن دون أي امتياز بصري أو طبقي، في حين ينقسم العالم من حولهم إلى هويات قاتلة، وحدود، وأسلاك، وعقوبات جماعية، ومجاعات تتم إدارتها في بعض الأحيان بقرارات سياسية باردة أكثر من الكوارث الطبيعية. ولهذا يبدو يوم عرفة أعظم من مجرد مناسبة دينية بحتة، لأنه يكشف التناقض الصارخ بين ما يمكن أن يكون عليه المجتمع البشري، وما تحولت إليه السياسة الحديثة عندما تحولت المصالح إلى عقيدة كاملة. ينتج العالم اليوم صورًا قاسية يوميًا. فالمدن تُمحى، والناس يُشردون، ويتحول الأطفال إلى أرقام في الأخبار، في حين تبدو المؤسسات الدولية غير قادرة على حماية المعنى الأخلاقي الذي تأسست عليه بعد الحرب العالمية الثانية. وحتى اللغة السياسية نفسها فقدت جزءاً من مصداقيتها، لأن الدول الكبرى تتحدث عن القانون عندما يناسبها، وتتجاهله عندما يتعارض مع مصالحها. ووسط كل هذا يأتي مشهد عرفات بشكل مختلف تماما. ولا أحد يسأل القادم إلى المشعر عن جنسيته أو طائفته أو حجم حسابه البنكي أو موقع بلاده في الاقتصاد العالمي. فالجميع يدخل في حالة نادرة من المساواة، مساواة عملية وليس خطاباً نظرياً تردده المنظمات في بياناتها. تكتسب هذه الرمزية أهمية مضاعفة في منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تم استهلاك الهويات إلى درجة مرهقة. المشهد هناك يختبر إمكانية وجود مساحة إنسانية مشتركة لا تقوم على المنافسة أو استعراض النفوذ. وهذا ما يجعل بعض القوى الحديثة غير مرتاحة لفكرة الجماعيات التي تنتج المعنى الأخلاقي بشكل مستقل عن السوق والسياسة والإعلام. وقد أعاد السوق بدوره تشكيل علاقة الناس بأنفسهم. يُدفع الفرد المعاصر طوال الوقت إلى تعريف نفسه من خلال الاستهلاك والصورة والمكانة والرؤية. حتى المناسبات الروحية في العديد من الأماكن تحولت إلى مواسم عروض اجتماعية أو رقمية. أما في عرفة فالصورة مختلفة تماماً. يجرد الإحرام الجميع من علامات التفوق المعتادة، ويعيد الجسد إلى حالته الأصلية تقريبًا، وكأن الطقوس بأكملها تقول إن القيمة الحقيقية للبشر لا تقاس بما يملكونه، بل بالمعنى الداخلي والأثر الأخلاقي الذي يحملونه. ولهذا يبدو عرفات وكأنه حدث مخالف لروح العصر الراهنة. ليس لأنها تقدم حلاً سياسياً للحروب، ولا لأنها تقضي على أوجه عدم المساواة القاسية في العالم، ولكن لأنها تذكر البشرية بأن فكرة المساواة لا تزال قابلة للتصور ولو ليوم واحد. وهذا في حد ذاته أصبح نادرا. إن العالم الذي فشل في وقف عمليات الإبادة الجماعية والمجاعات، يحتاج أحيانا إلى مشهد رمزي يذكره بأن البشر قادرون على الوقوف في مكان واحد دون أن يتحولوا إلى جبهات حرب. ولعل هذا هو على وجه التحديد السبب وراء احتفاظ عرفة بنفوذها عبر الدين والجغرافيا، لأنها تقدم صورة مختصرة عما كان يمكن أن تكون عليه الأرض لو كانت السياسة أقل جشعاً وأكثر ضميراً. سنة جديدة سعيدة للأمة كلها.




