اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-20 00:00:00
بعد انهيار الرأسمالية بشكلها الهمجي الذي أنتجته مدارس مثل آدم سميث عندما أسيء فهم «اليد الخفية» كمبرر لإطلاق السوق دون ضوابط، وبعد انهيار التجارب الاشتراكية الشمولية التي ارتبطت بنموذج كارل ماركس في تطبيقاته الصارمة، يبدو أن العالم يبحث مرة أخرى عن بوصلة أخلاقية للنظام الاقتصادي الدولي. الأزمات المالية المتلاحقة، واتساع الفجوات الطبقية، والاحتكارات العابرة للقارات، وفضائح الفساد وغسل الأموال؛ وكلها تعيد طرح السؤال المتجدد: أين العدالة والإنسانية في الاقتصاد المعاصر؟! وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن «أسلمة الاقتصاد» كبديل معنوي قبل أن يكون بديلاً تقنياً. ويقوم الاقتصاد في الرؤية الإسلامية على تحريم الربا، وربط المال بالإنتاج الحقيقي، واعتماد مبدأ تقاسم المخاطر وعدم تحويلها بالكامل إلى الطرف الأضعف، إضافة إلى الزكاة والوقف كآليات لإعادة توزيع الثروة. كما يرسي مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”، ويضع قيودا أخلاقية وقانونية على الاحتكار والاستغلال ونهب الثروات بغير وجه حق. لكن السؤال الواقعي المتداول حاليا بين الباحثين على اختلاف مذاهبهم ومعتقداتهم هو: هل إعلان “الأسلمة” كاف لإصلاح النظام العالمي؟ وتشير التجارب المعاصرة إلى أن جزءا من مبادئ التمويل الإسلامي تم تطبيقه داخل النظام المالي الدولي نفسه، من خلال الصيرفة الإسلامية والصكوك، دون أن يؤدي ذلك وحده إلى تغيير البنية العميقة للاقتصاد العالمي القائم على القوة والنفوذ السياسي. والمشكلة لا تكمن في الأدوات فحسب، بل في توازن القوى، وفي الحكم العالمي، وفي الإرادة السياسية. إن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي – سواء كان مستوحى من القيم الإسلامية أو غيرها – يتطلب ثلاثة شروط: أولا، نموذج ناجح عمليا يحقق التنمية والعدالة داخل الدول التي تتبناه بإخلاص والتزام، ولا تتبناه شكلا دون مضمون حقيقي. ثانياً، التكامل الاقتصادي بين الدول التي ترغب في هذا النهج، وخلق كتلة مؤثرة في التجارة والمالية والأعمال على المستوى الدولي وليس الإقليمي أو المحلي فقط. ثالثا، خطاب أخلاقي عالمي جامع يقدم هذه المبادئ على أنها قيم إنسانية تتقاسمها البشرية جمعاء، وليس مشروعا إيديولوجيا منغلقا يهم المسلمين فقط. من يستطيع أن يحدث فرقا؟ والقادر على ذلك ليس كيانا واحدا بعينه، بل تحالف دول ومؤسسات مالية وتنموية وجامعات ومراكز بحثية قادرة على تطوير نموذج تطبيقي حديث للاقتصاد الأخلاقي المعياري. إذا كانت بلدان العالم الإسلامي اليوم تعاني من الضعف السياسي والاقتصادي، فإن البداية المنطقية تتلخص في الإصلاح الداخلي من خلال تعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، والاستثمار في التعليم، وبناء المؤسسات القوية. عندها فقط يمكن لأي مشروع إصلاحي، إسلامي المرجعية أو إنساني الطابع، أن يتحول من شعار إلى تجربة ملهمة تخدم الجميع على هذا الكوكب. وخلاصة القول هي أن العدالة لا تتحقق بمجرد تغيير الاسم، بل ببناء منظومة من القيم والمؤسسات التي توازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية. ولعل المستقبل سيكون لاقتصاد يمزج بين الكفاءة والعدالة، أياً كانت تسميته، مكانته أو دينه. “رمضان كريم.. ومبروك عليك الشهر الفضيل”. خبير اقتصادي




