اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 03:38:00
لم أتخيل قط أن يمتد عمري لأعيش هذا الارتباك وهذا البؤس في عالم يسكنه الحقد وفي أفقه لا يقين، ويصبح الإنسان كقطعة خشب بالية تطفو على مياه زرقاء داكنة شديدة الملوحة. أصبحت كل الطرق مسدودة، ومن حاول عبور البحر غرق في وسطه، وما زال الباقون متمسكين بحبال الأمل المهترئة والمهترئة. هذا زمن غريب يسكنه اللا يقين، وحيثما أدرت وجهك للريح أو لاتجاه الريح. وترى الشمس الموت والجثث، ودماء الأبرياء الذين ماتوا بلا ثمن، وصاروا ضحايا لحماقة الآخرين الذين تصوروا أنهم يملكون زاوية الزمن وأغرقونا بحماقتهم الغبية في أتون المحرقة البشرية التي تحصد الأبرياء والفقراء والمعوزين. لا خوف علينا إذا رحلنا، لكن خوفنا الأكبر هو على مصير أحفادنا ومصير الجيل القادم الذي تبدو له كل الطرق مسدودة، حتى يبحث في أماكن كثيرة عن وطن بديل يكون بمثابة حبل النجاة الأخير للهروب منه… المحنة والمأساة الإنسانية التي تعيشها شرائح كبيرة من اللاجئين والنازحين ومن فقدوا الدعم المادي أو المعنوي. لقد تشابكت خيوط المأساة، وحتى الهروب من فخ الزمن مكلف للغاية ومحفوف بالمخاطر والتحديات. إن الذين عبروا إلى أوطان متخيلة يبيعون الوهم لأنفسهم وأعينهم مغمضة، ينظرون إلى الأفق الكئيب وعلى أفواههم بقايا بسمة أمل، لكنه بالتأكيد وهم خادع يبيعهم سراباً في صحراء الإنسانية التي أصبحت قاحلة، بعد أن أصبحت قاحلة. غاب عنها الرحمة والمحبة والتضامن. قال لي والدموع تفيض من عينيه، إنها شابة، واثقة، ومليئة بالأمل. لقد أصيبت بـ”حمى الضنك”. ولم يجدوا لها سريراً في أي من المستشفيات الشحيحة، ومع قلة الدواء واتساع العبث مع استمرار الحرب، لم تصمد مقاومتها، وماتت في ريعان الطفولة. ولن يعيدها الحزن إلى الحياة من جديد، وتبقى الغصة في الحلق، والحزن في القلب، وهي حالة واحدة من بين مئات الحالات. حالات ماتت مظلومة في مهاجرين بعيدين عن تراب الوطن الذي أحبوه، والآن يبحثون عن بديل له في أي مكان. أولئك الذين حصلوا على جوازات سفر مختلفة، أصبحوا أكثر حظاً من غيرهم، الذين سدت في وجوههم كل السبل. فمن ينقذنا من هذه المأساة بعد أن عجزنا عن إنقاذ أنفسنا؟ لم تعد هناك وجهة لم نتطرق إليها، وما زال بحثنا عن أماكن يمكن أن تكون آمنة قبل أن يجرفنا طوفان الفوضى والكراهية والغباء البشري المتجذر في الجماجم التي أصابتنا. لقد صدأت وتحولت إلى حجارة صلبة وباهتة وجاهلة. عالمنا اليوم ليس مثل العالم الذي عشناه في الماضي. أحاط بنا المحيط الكبير وظللنا الوطن الواسع. كنا مليئين بالأمل والطموح، لكنهم سرقوا منا كل شيء، حتى اليقين الذي بقي داخلنا: “من أين جاء هؤلاء الناس، بل من هم هؤلاء الناس؟” وتنمو المحنة والمأساة في أفق حياتنا، إلى حد الموت الذي يحدث في أستراليا ونيوزيلندا. كندا وغيرها من الأماكن البعيدة، تقام مراسم العزاء في المركز الثقافي السوداني بالدوحة، فيما يظل الأبناء والبنات والأسر مشتتين في أنحاء العالم الواسع ينتظرون تأشيرة العودة إلى الوطن وإلى أحضان القبيلة ودفء البيوت المهجورة التي يسكنها الحزن والفجيعة. أخبرتني ابنتي نسرين التي هاجرت مع زوجها وأبنائها إلى نورماندي في شمال فرنسا، أن الحياة هناك مختلفة وأن المستقبل لا يغلق أبوابه في وجه الغرباء. دعتني لزيارتهم هناك وقلت لها بحزن أنا سعيد برؤية أحفادي عبد الرحمن ونعمة وأمير، لكن في ظل الظروف الحالية لا أستطيع عبور الطريق المعاكس، والشهية للسفر والترحال ليست كما كانت، فقد سافرت أنت وإخوانك بعيداً وبعيداً، ولكن الآن لا أعرف سوى الطريق بين المسجد والبيت. فإلى متى سيستمر هذا التجوال والارتباك؟ إلى متى سيبقى الوطن مختطفا؟ مسروقين وأسيرين للأوهام الضعيفة العاجزة عن انتشالنا من هذه الهاوية العميقة وهذه السحابة السوداء، إذا خرجنا بحثاً عن «وطن بديل»، سنعود بإرادة وقوة وعزة لنهتف مع ثوار «ثورة ديسمبر المجيدة»: «خرجنا.. خرجنا.. خرجنا ضد الشعب الذي سرق عرقنا.. ضد الشعب الذي قتل ابننا». ونحن على ثقة بأننا رغم المحن والتحديات لن نهزم، وأنكم ستنتصرون. ستطول الثورة أو تقصر، وستعود رايات العزّة والفخر والإرادة ترفرف فوق تراب الوطن الواسع. سيولد أطفال أصحاء يضيئون مصابيح الغد لينتصروا على هذا الظلام الطارئ الذي يخيم على جثة الوطن، الذي سينهض عملاقاً جباراً قوياً مقتدراً. ستفتح المدارس أبوابها أمام الطلاب، وستضاء الشوارع المظلمة، وسنعيد بناء المستشفيات والمساكن العامة، وسيتوفر الدواء والعلاج لجميع المرضى، وسننشئ مستشفيات للمرضى والمجنون ومراكز الاحتجاز. وبالنسبة للقتلة والمجرمين، ستعود صحة الوطن من جديد بمشيئة الجميع ولن نحتاج إلى “وطن بديل”.




