اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 00:00:00
في 5 أكتوبر 1974، هز انفجاران مدمران مدينة جيلدفورد الإنجليزية الهادئة. انفجرت قنبلة في حانة هورس آند جروم، تلتها قنبلة أخرى في وولويتش. قُتل خمسة أشخاص وأصيب 65 آخرون. كانت بريطانيا تشهد ذروة الاضطرابات في أيرلندا الشمالية، وكان الجيش الجمهوري الأيرلندي في قلب هذا الصراع. كان هناك جو من الرعب والكراهية ضد الأيرلنديين. وبدأت الشرطة حملة اعتقالات عشوائية. ولم يكن التحقيق يبحث عن الحقيقة بقدر ما كان يبحث عن كبش فداء يرضي الرأي العام البريطاني. تم القبض على أربعة شبان أيرلنديين: جيري كونلون (21 عامًا)، بول هيل، باتريك أرمسترونج، وكارول ريتشاردسون. أصبحوا معروفين باسم “جيلدفورد الأربعة”. وتحت التعذيب النفسي والجسدي، والتهديد باعتقال ذويهم، انتزعت منهم الشرطة اعترافات كاذبة. “سوف نقتل والدك إذا لم تعترف بهذا.” وحكم عليهم بالسجن مدى الحياة. ولم يكن هناك أي دليل مادي يربطهم بالجريمة، واعتمدت القضية برمتها على اعترافات كاذبة. لكن القصة لم تنته بعد. في أكتوبر 1975، أرسل جيري كونلون طلبًا للمساعدة إلى والده باتريك. وكان جوزيبي، وهو رجل يبلغ من العمر 52 عاماً، يعاني منذ سنوات من مرض رئوي مزمن بسبب عمله كرسام. غادر جوزيبي بلفاست متوجهاً إلى لندن لمساعدة ابنه، ووصل إلى منزل عمته آن ماجواير في ويست كيلبورن. في 3 ديسمبر 1975، داهمت الشرطة المنزل واعتقلت سبعة أشخاص: آن ماجواير، وزوجها بادي، وابنهما باتريك (13 عامًا)، وجوزيبي كولون، وثلاثة آخرين. واتهمتهم الشرطة، الذين أطلق عليهم اسم “ماجواير السبعة”، بحيازة النتروجليسرين وصنع قنابل لصالح الجيش الجمهوري. وكان الدليل العلمي مجرد اختبار معيب تم إجراؤه على مواد التنظيف العادية المستخدمة في المطبخ. ولم تكن هناك صلة حقيقية بين المجموعتين سوى روابط الدم. وعلى الرغم من ذلك، حُكم على جوزيبي عام 1976 بالسجن لمدة 12 عامًا. وكان مريضًا بالفعل، لكن السجن زاد من معاناته. ونقل إلى المستشفى عدة مرات بسبب تدهور رئتيه، لكن السلطات لم تقدم له الرعاية الكافية. في 23 يناير 1980، توفي جوزيبي كولون في أحد مستشفيات لندن، بعد أن أمضى أكثر من خمس سنوات خلف القضبان. وكان وزير الداخلية قد وقع على قرار إطلاق سراحه في نفس اليوم تقريباً… لكن الورقة وصلت متأخرة جداً… جوزيبي كولون مات بريئاً، ضحية ظلم قضائي فادح. واستمر النضال لمدة 15 عاما. كتب جيري كونلون مذكراته “إثبات البراءة” عام 1990، والتي كشف فيها تفاصيل التعذيب والكذب والتلاعب بالأدلة. وفي 19 أكتوبر 1989، أسقطت إدانة جيلدفورد فور بعد أن ثبت أن الشرطة قمعت اعترافات الجناة الحقيقيين، وأن الاعترافات الأولية كانت كاذبة. وأُلغيت فيما بعد إدانة “ماغواير السبعة”. وكانت هذه واحدة من أكبر فضائح العدالة في تاريخ بريطانيا الحديث، حيث كشفت عن مدى التمييز العنصري ضد الأيرلنديين في ذلك الوقت. مشاكل. هذه القصة الحقيقية المأساوية المؤلمة، التي تجسد معاناة البراءة المنسحقة تحت وطأة السلطة، حولها المخرج جيم شيريدان إلى فيلم سينمائي خالد بعنوان باسم الأب (باسم الأب) عام 1993. الفيلم ليس مجرد إعادة سرد للأحداث، بل عمل فني عميق يجمع بين الدراما الإنسانية والغضب السياسي. يبدأ بصورة الشاب جيري الذي جسد دوره المبدع العظيم، الذي لا أتعب من مشاهدة أعماله، دانييل داي لويس، الذي يتحول تدريجياً من شاب متهور إلى رجل مكسور ثم مناضل من أجل… العدالة، ويصل الأمر إلى ذروته في علاقة الأب والابن داخل السجن. جلست مذهولاً بمشاهد الأب والابن في السجن، التي كانت تقربهما من بعضهما البعض، فأعادوا تمثيل مشاهد الأب والطفل معًا ولوموهم في مرحلة الرجولة. ما يميز الفيلم بجماله الفني هو قدرته على تحويل وثيقة تاريخية إلى تجربة عاطفية. ركز السيناريو (الذي كتبه شيريدان وتيري جورج) على الجانب الإنساني: الألم والغضب والأمل والمصالحة بين جيري ووالده. التصوير من داخل السجن يشعرك بنفس الاختناق الذي يعيشه المعتقلون. أما الأداء الفني فهو استثنائي بكل المقاييس. يقدم دانييل داي لويس هنا أحد أعظم العروض في حياته المهنية. يتعمق في شخصية جيري بطريقة “أسلوبية” عميقة: فقد وزنه، وطلب من الطاقم إذلاله ليبقى في حالة نفسية، ويجسد الغضب واليأس والقوة الداخلية بمهارة لا مثيل لها. كل نظرة، كل صرخة، كل دمعة تبدو حقيقية تمامًا. وقدم بيت بوستليثويت، الذي لعب دور جوزيبي الأب، أداءً مؤثراً وصل إلى القلب. أضافت إيما طومسون في دور المحامية طبقة من الإصرار والأمل، إذ بحثت في أرشيف الشرطة حتى وجدت دليلاً على الحقيقة، من خلال أقوال المتشرد التي أخفتها الشرطة عن المحكمة! حقق الفيلم نجاحا كبيرا: إذ بلغت إيراداته 65.8 مليون دولار مقابل ميزانية قدرها 13 مليونا فقط، وترشح لسبع جوائز أوسكار منها أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثل (داي لويس)، وأفضل ممثل مساعد. لم يفز بجائزة الأوسكار، لكنه أصبح من الكلاسيكيات السينمائية التي تدرس في كليات السينما. ولم يقتصر تأثيرها على الشاشة؛ بل أحيا الجدل العام حول الظلم القضائي، وأصبح رمزا للنضال من أجل الحقيقة والكرامة الإنسانية. وفي عصرنا الذي لا يزال يشهد حالات مماثلة من الاعتقال التعسفي، يبقى فيلم باسم الأب شهادة فنية قوية على أن الفن قادر على إعادة صوت الضحايا، حتى بعد وفاتهم. صحافي مصري




