اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 02:26:00
في كل عام، يذكر اليوم العالمي للأسرة العالم بأن المجتمعات لا تبنى بالاقتصاد والسياسات وخطط التنمية فقط، بل تبدأ أولاً من المنزل. ومن تلك المساحة الصغيرة التي يتعلم فيها الإنسان معنى الأمان والانتماء والحب، ليست الأسرة مجرد إطار اجتماعي تقليدي، بل هي الحاضنة الأولى للقيم، والجدار النفسي الذي يحمي الأبناء من هشاشة العالم وتقلباته. ويحمل الاحتفال بهذا اليوم، الذي يصادف الخامس عشر من شهر مايو من كل عام بمبادرة من الأمم المتحدة، دلالات عميقة تتجاوز الطابع الرمزي، إذ يعكس شعار هذا العام: “الأسرة وعدم المساواة ورفاهية الأطفال” بوضوح حجم التحديات التي تواجهها البيوت. العصر الحديث، ويدق ناقوس الخطر بشأن تزايد تأثير الضغوط المعيشية والفجوات الاجتماعية على صحة الأطفال النفسية واستقرارهم العاطفي. أثبتت التجارب الإنسانية والدراسات الاجتماعية أن الطفل لا يحتاج إلى التعليم والرعاية الصحية فحسب، بل يحتاج قبل كل شيء إلى أسرة متماسكة تمنحه الشعور بالاندماج والثقة. تعتبر الروابط الأسرية القوية من أهم عوامل بناء الشخصية السليمة، وتعزيز المرونة النفسية، والقدرة على مواجهة الضغوط والتحديات. عندما تهتز الأسرة من أعباء اقتصادية أو توترات اجتماعية، فإن أول المتضررين من ذلك هم الأطفال، الذين يدفعون الثمن أحياناً في صمت، من خلال القلق والعزلة واضطرابات السلوك والشعور بعدم الأمان. ولعل من أبسط الممارسات العائلية وأكثرها فعالية تلك اللحظات اليومية التي تجتمع فيها الأسرة حول مائدة الغداء أو العشاء. جلوس الأهل مع أبنائهم على طاولة واحدة، بعيداً عن الهواتف ومشاغل الحياة، لا يقتصر على الأكل فقط، بل يخلق مساحة للحوار والاستماع والاطمئنان، ويعزز مشاعر الحب والألفة داخل المنزل. وقد تكون هذه الدقائق اليومية البسيطة من أهم الأمور التي تدعم الصحة النفسية. بالنسبة للأطفال، لأنه يمنحهم شعوراً عميقاً بالاهتمام والانتماء والاستقرار العاطفي. ومن هنا فإن مسؤولية حماية الأسرة لا تقع على عاتق الأمهات والآباء وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تشارك فيها المؤسسات التعليمية والإعلامية والتشريعية والاقتصادية. إن دعم الأسرة اليوم لا يعني تقديم المساعدات فحسب، بل يتطلب بناء سياسات أكثر إنصافا، وبيئات عمل أكثر مراعاة للحياة الأسرية، وأنظمة تعليمية تعزز القيم الإنسانية والتواصل داخل المنزل. علمتنا السنوات الأخيرة أن الأزمات الكبرى مهما اختلفت أشكالها، فإنها تعيد الإنسان دائماً إلى دائرته الأولى: الأسرة، وهناك فقط، وسط دفء العلاقات الصادقة، يجد الإنسان قدرته على الصمود والاستمرار. ولذلك فإن الحفاظ على الأسرة ليس دفاعاً عن النموذج الاجتماعي التقليدي، بل هو دفاع عن التوازن الإنساني ذاته. في اليوم العالمي للأسرة، ربما نحتاج إلى التوقف للحظة، ليس فقط للاحتفال، ولكن أيضًا للتأمل: كيف يمكننا خلق مستقبل أكثر أمانًا للأطفال، إذا كانت الأسرة نفسها تواجه كل هذه التحديات؟ فكيف يمكن للمجتمعات أن تظل متماسكة إذا كانت الروابط التي تشكل نواتها الأولية ضعيفة؟ هذه أسئلة تستحق أن تبقى حاضرة، لأن مستقبل الأمم يبدأ دائماً باستقرار الأوطان. وبالله التوفيق،،، أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر[email protected]




