القلق في عصر الترف.. كيف أتعبت الحداثة الناس؟

اخبار قطر2 يونيو 2026آخر تحديث :
القلق في عصر الترف.. كيف أتعبت الحداثة الناس؟

اخبار قطر اليوم – وطن نيوز

اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 19:38:00

بقلم: عماد الزريفي عالم يبدو أكثر ازدهارا من أي وقت مضى. تتزايد معدلات القلق والاكتئاب والإرهاق النفسي بشكل ملحوظ، في مفارقة دفعت عددا من الباحثين إلى إعادة النظر في تفسير مشكلات الصحة العقلية. لم يعد القلق والاكتئاب مجرد اضطرابات فردية ناتجة عن خلل بيولوجي وحده، بل أصبحا أيضًا انعكاسًا مباشرًا لطبيعة الحياة وما تفرضه من ضغوط اجتماعية وثقافية واقتصادية مستمرة. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «السيولة» عند عالم الاجتماع البولندي الراحل زيغموند باومان، كأحد أعمق التفسيرات لفهم هشاشة الإنسان المعاصر وقلقه المستمر في ظل عالم سريع التغير ويفتقر إلى الاتساق والاستقرار. وساد خطاب يفسر القلق والاكتئاب على أنه مشكلة شخصية تخص الفرد وحده، وكأن الإنسان وحده هو المسؤول عن تعاسته وعدم قدرته على التكيف مع محيطه. إلا أن هذا التفسير يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، بما تفرضه من قيم وضغوط وتوقعات يومية متزايدة. ويرى باومان أن المجتمعات الحديثة نقلت كامل عبء النجاح والفشل إلى الفرد، بعد تراجع الأطر الجماعية التقليدية التي كانت تمنح الإنسان الشعور بالأمان والانتماء. وفي ظل هيمنة النظام الاقتصادي الرأسمالي، أصبحت قيمة الإنسان تقاس بإنجازاته، ومستوى إنتاجيته، وقدرته المستمرة على العطاء والمنافسة. وهكذا تحول النجاح من طموح مشروع للفرد إلى هاجس مزعج يطارده باستمرار، وأصبح الفرد مطالبا بإثبات كفاءته وإعادة تسويق نفسه في العمل والعلاقات وحتى في صورته أمام الآخرين، مما جعل القلق والإرهاق النفسي سمة بارزة في حياة الإنسان الحديث. وأدى هذا التحول إلى حالة من الإرهاق النفسي المستمر، حيث بدأ الفرد يعيش ضمن عالم “سائل” لا يعرف الاستقرار؛ فالوظائف مؤقتة، والعلاقات أكثر هشاشة، والمعايير تتغير بسرعة، والناس مطالبون بالتكيف باستمرار مع الواقع المتقلب الذي لا يمنحهم شعوراً مستقراً بالأمان. وبذلك أصبح الفرد تحت وطأة التطوير الإلزامي المستمر، الذي يخشى خلاله التراجع والفشل والخروج عن سباق الإنجاز. واقع يعززه انتشار ظاهرة المقارنة المستمرة مع الآخرين، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقارن الإنسان واقعه اليومي بصور مثالية منتقاة من حياة الآخرين، مما يعمق شعوره بالدونية وعدم الرضا، حتى لو كان يعيش حياة مستقرة نسبيا، وبالتالي يتحول إلى ضحية شعور دائم بأنه لا يملك الإمكانيات الكافية لمواكبة صورة “الحياة المثالية” التي تفرضها الثقافة الاستهلاكية الحديثة. لم تعد الضغوط النفسية مرتبطة فقط بالحياة المادية، فبقدر ما تتسم به الحياة المادية من صعوبة، فإن التدفق الهائل للمعلومات والصور والأخبار التي يتعرض لها الإنسان يوميا يعد أيضا من العوامل المؤثرة. في عالم “الحياة السائلة”، يعيش الفرد في حالة دائمة من التشتت وعدم الاستقرار العقلي، حيث تجده ينتقل في دقائق معدودة من متابعة أخبار الحروب والكوارث الطبيعية، إلى مشاهدة صور “النجاح والثروة والسفر والمغامرات”. ثم تجده يدخل في نقاشات حادة وسط آراء متضاربة حول قضايا مختلفة أغلبها تافهة ولا تستحق جهد النقاش، دون إعطاء عقله فرصة حقيقية للهدوء والفهم. وهكذا فإن الإرهاق النفسي لم يعد نتيجة مجهود بدني بقدر ما هو انعكاس مباشر لهذا الكم الهائل من الإرهاق الذهني والعاطفي المستمر. وفي ظل هذا الإيقاع المتسارع للحياة يفقد الفرد تدريجيا قدرته على السكون الداخلي، فيصبح الصمت ثقيلا، والعزلة القصيرة مزعجة، ويصبح الابتعاد عن الهاتف لبضع دقائق أمرا صعبا. ومع الوقت يتحول الاتصال الدائم بالآخرين إلى حاجة نفسية مستمرة، لا تمنح الإنسان الطمأنينة بقدر ما تعمق إحساسه بالتوتر والانشغال الدائم. ويرى زيغموند باومان أن العلاقات الإنسانية في “الحداثة السائلة” أصبحت أكثر هشاشة وأقل استقرارا، حيث أصبح التواصل يعتمد على الحضور اللحظي والتفاعل السريع أكثر من الاعتماد على التقارب الإنساني العميق. لذلك، على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت للأفراد الاتصال بمئات الأشخاص يوميًا، إلا أنها لم تنجح بالضرورة في تعزيز شعورهم بالانتماء. قد يقضي الفرد ساعات طويلة في متابعة تفاصيل حياة الناس الذين يبعدون عنه آلاف الكيلومترات، بينما يعيش في الوقت نفسه في عزلة حقيقية داخل محيطه المباشر، بعيدًا عن العلاقات الإنسانية التي تمنحه الدعم النفسي والشعور بالأمان. يتطلب التعامل مع القلق والاكتئاب فهماً أوسع للسياق الذي تحدث فيه هذه المعاناة، لأن الإنسان لا يعيش بمعزل عن العالم الذي يحيط به. في عالم سريع التغير، تتراجع فيه الروابط الثابتة ويتزايد فيه الشعور بعدم اليقين، يصبح القلق استجابة إنسانية طبيعية لواقع يجبر الفرد على التكيف المستمر دون أن يمنحه الشعور الكافي بالأمان والاستقرار. ومن هنا تبدو الحاجة اليوم إلى استعادة التوازن البشري أكثر إلحاحاً من السعي إلى مزيد من الرفاهية ومطاردة الإنجازات التي لا نهاية لها، من خلال بناء علاقات حقيقية، والحد من ضجيج النجاح وضجيج المقارنات، واستعادة القدرة على البقاء والعيش بهدوء خارج منطق الاستهلاك والإنجاز المستمر. لا ترتبط الصحة العقلية بما لدينا بقدر ما ترتبط بقدرتنا على إيجاد المعنى والتوازن في عالم يتسارع باستمرار.

اخبار قطر الان

القلق في عصر الترف.. كيف أتعبت الحداثة الناس؟

اخبار قطر عاجل

اخبار قطر تويتر

اخبار اليوم قطر

#القلق #في #عصر #الترف. #كيف #أتعبت #الحداثة #الناس

المصدر – https://www.raya.com