اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-26 00:00:00
في مسرحية “ثورة الموتى”، يسرد الكاتب الأمريكي إيروين شو واحدة من أحلك الرحلات الأدبية وأكثرها روعة، رحلة تتقاطع فيها الحياة والموت، الحلم والكابوس، الوعي واللاوعي، كما لو أن الإنسان قد قُدر له أن يبقى معلقا بين النقيضين، لا يموت تماما ولا يعيش حقا. المسرحية التي يتردد صداها بلغة كثيفة ومشحونة بتأملات فلسفية، لا تسعى إلى سرد تقليدي أو قصة واضحة المعالم، بل تتبع مسارات متعرجة في النفس البشرية، حيث تتراكم الأسئلة أكثر من الإجابات، وتختفي الحقائق خلف ستائر الضباب والدهشة. أورين شو لا يكتب ليحكي، بل يكتب ليكشف، ليوقظ في قارئه تلك النغمة الخفية للقلق الوجودي، ذلك الشعور الكامن بأن شيئًا ما في هذا العالم غير مكتمل، وأن الموت قد لا يكون نهاية، بل بداية موقف آخر أكثر إيلامًا. مسرحية ثورة الموتى أو دفن الموتى، تتناول حياة مجموعة من الجنود أجبروا على الموت في إحدى الحروب العالمية، حرب ضد الإنسانية وليس من أجل أي شيء، وهنا قام الموتى بثورة ضد ظلم حكامهم وضد من أهانهم. إنسانيتهم.. هذا نص مكتوب وكأنه اتهام لحروب يسقط فيها العديد من المحاربين في سبيل غطرسة الحكام وأهوائهم السياسية. ما هذا اللقب الذي طرحه شو والذي جعلني أرتعد، هؤلاء الموتى الذين يرفضون الدفن. هذا الرفض الميتافيزيقي هو صرخة من عالم ما بعد الحياة، واحتجاج على محو الذاكرة، وضد اختزال الإنسان في حفرة من التراب. الأمر لا يتعلق بالجثث، بل يتعلق بحياة لم تتحقق العدالة، وقصص لم تُروى، وحياة لم تُعاش بالكامل. هؤلاء الموتى الذين يرفضون أن يُدفنوا ليسوا أشباحاً، بل هم رموز لكل من تم تجاهله، لكل من سحق في عجلات التاريخ، ومضى دون أن يسمع له أحد. في عالم إيروين شو القريب من عالم كافكا ومن فلسفة آرثر شوبنهاور، لا يموت الإنسان عندما يتوقف قلبه، بل عندما يُنسى. ولذلك فإن «الدفن» في الرواية أكثر من مجرد طقوس جنائزية، فهو فعل نسيان متعمد، محاولة لمحو ما لا يطاق، لدفن الذنب والخطيئة والخوف في أعماق الأرض، مجموعة من الشخصيات المكسورة تبحث عن النور في الظلام بعد أن تم دفعهم إلى حرب ضد الإنسانية. تطرقت في المسرحية إلى عالم الحروب الساحقة التي تسحق فيها أرواحنا وأجساد الأبرياء، من الحرب على غزة إلى الحرب في روسيا وأوكرانيا والحرب في السودان وإيران.. الحروب التي لا تزال تغرس أنيابها في نفوس البسطاء وتترك ندباتها على الجلد والروح التي من المستحيل أن تختفي. تتحرك شخصيات المسرحية كأنها تسير في حلم طويل، أو كأنها أسير كابوس متكرر لا نهاية له. لا نكاد نرى «بطلاً» بالمعنى التقليدي، بل نلتقي بأشباح بشرية مكسورة وممزقة، تحاول أن تجد طريقها وسط ركام الذكريات. كل شخصية في المسرحية، ترجمة فؤاد دوارة، تحمل جراحها الداخلية وكأنها وشم أبدي، وكل خطوة يخطوها نحو الحقيقة هي أقرب إلى الجرح منها إلى شفاءه. هناك شعرية قاتمة تظلل كل صفحة من صفحات الرواية، شعرية لا تخلو من القسوة، بل قسوة تشبه قسوة الواقع نفسه. إنها ليست قسوة مبالغ فيها أو مفتعلة، بل هي امتداد طبيعي للعالم الذي يرسمه أودن شو، عالم منهار، مبتلى بالعزلة والندم، حيث لا يوجد خلاص حقيقي، بل فقط احتمالات ضئيلة للبقاء. في المسرحية تنكسر الحبكة، وتتشظى اللغة، ويصبح القارئ شريكا في بناء المعنى. وهنا لا توجد أجوبة جاهزة، بل إشارات مفتوحة، تتطلب من القارئ التعمق فيها، لمواجهة همومه الشخصية من خلال النص. لا تقدم المسرحية عزاء، بل مرايا مشوهة يرى فيها القارئ نفسه، بعد أن فقد براءته الأولية، وفقد يقينه، وهو الآن مطالب بخلق خلاصه الخاص، إذا كان الخلاص ممكنا. ثورة الموتى ليست مجرد مسرحية، إنها صرخة، تحذير، رقصة بطيئة على أنقاض العالم. شو لا يقدم الموت باعتباره فناءً، بل لعنة محتملة، عندما تُسلب من الإنسان كرامته، عندما يُجبر على الحرب، على الرحيل دون أن يفهم، دون أن يُحب، دون أن يُحب. إنه عادل. الكتابة هنا هي فعل مقاومة، مقاومة ضد النسيان، ضد الإذعان، ضد العدمية، ضد الحروب، ضد القتال البائس. مسرحية شو لا تقرأ لتنسى، بل لتستوطنك، وتوقظ فيك أشياء ظننت أنك دفنتها منذ زمن طويل… ولكنها، مثل أبطال المسرحية، ترفض أن تُدفن. صحافي مصري




