اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-24 00:00:00
وبما أنني حاليا في قطر، وأثناء تواجدي في الفندق، فقد لاحظت وجود حفلات تخرج في مختلف المؤسسات الأكاديمية. ما استوقفني لم يكن أسماء الخريجين أو طبيعة الاحتفالات بقدر ما كان الحضور الأكاديمي الكثيف والمتنوع الذي كان يتكرر في كل مناسبة. جامعات عالمية وكليات متخصصة وأكاديميات تحمل أسماء مرموقة، وطلبة وطالبات ينتمون إلى عشرات الجنسيات والثقافات، في مشهد يستحق التأمل من زاوية تتجاوز الجانب التعليمي المباشر. عندما نتحدث عن الاستثمارات الاستراتيجية في الخليج، غالبا ما يتجه الأذهان إلى الطاقة والبنية التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى. ومع ذلك، هناك نوع آخر من الاستثمار يبدو أقل ضجيجاً في وسائل الإعلام وأكثر تأثيراً على المدى الطويل، وهو الاستثمار في المعرفة. فالجامعة ليست مجرد بناء أكاديمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل موقع الدولة السياسي والاقتصادي والثقافي ضمن محيطها الإقليمي والدولي. وما قامت به قطر خلال العقود الماضية في هذا المجال يقع ضمن هذا الفهم تحديدا. إن استقطاب الجامعات العالمية المرموقة وبناء بيئة تعليمية تستوعب الطلاب من جميع أنحاء العالم لا يمكن قراءته كمشروع تعليمي منفصل عن بقية السياسات العامة. إننا أمام رؤية تنظر إلى التعليم كجزء من خلق التأثير، وجزء من بناء المكانة الدولية، وجزء من الإعداد لمرحلة ما بعد الاعتماد التقليدي على الموارد الطبيعية. فالطالب الذي يقضي سنوات دراسته في بلد ما، يحمل معه فيما بعد جزءًا من تجربته وصورته وذاكرته. وعندما يتم توزيع هؤلاء الخريجين عبر بلدانهم ومناصبهم المهنية المختلفة، تتشكل شبكة بشرية واسعة يصعب قياس تأثيرها بالأرقام وحدها. ولهذا السبب، تتنافس الدول الكبرى منذ عقود على جذب الطلاب الأجانب، لأنها تدرك أن التعليم ينتج علاقات تمتد إلى ما هو أبعد من سنوات الدراسة نفسها. وفي الحالة القطرية، يكتسب الأمر بعداً إضافياً نظراً لحجم البلاد الجغرافي والديمغرافي. فعندما تنجح دولة صغيرة في التحول إلى مركز أكاديمي يستقطب هذا العدد من المؤسسات التعليمية العالمية، فإنها تنجح عمليا في تعويض محدودية جغرافيتها باتساع حضورها المعرفي. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص السياسات الذكية في القرن الحادي والعشرين: المكانة لم تعد مرتبطة بحجم الأرض أو عدد السكان فقط، بل بقدرة الدولة على إنتاج الجاذبية، وجذب العقول، وخلق الفرص. واللافت أيضاً أن هذا المشهد الأكاديمي يتقاطع مع التحولات التي تشهدها المنطقة برمتها. لقد أصبحت دول الخليج أكثر إدراكا لحقيقة أن الاقتصاد الحديث يقوم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا والبحث العلمي. ولهذا السبب نشهد سباقاً خليجياً متزايداً نحو الجامعات ومراكز الأبحاث وبرامج المنح الدراسية واستقطاب المواهب. وهو تطور صحي يعكس انتقال المنطقة من مرحلة بناء البنية التحتية الأساسية إلى مرحلة بناء رأس المال البشري. ولهذا وجدت نفسي، وأنا أتابع أخبار تلك الحفلات، أفكر أننا عندما تخرجنا محملين بأحلام وطموحات واسعة، لم تكن الاحتفالات بهذا المستوى، وكنت أفكر أبعد من المنابر والشهادات والصور التذكارية. وكنت أرى حصاد مشروع طويل الأمد يستثمر في التعليم باعتباره مورداً استراتيجياً لا ينضب. كما رأيت كيف تحولت الجامعة، عندما تدار ضمن رؤية واضحة، إلى أداة للسياسة العامة، وجسر يربط الوطن بالعالم، واستثمار تتراكم عائداته عاماً بعد عام. بعض المشاريع تقاس أرباحها بنهاية السنة المالية، بينما مشاريع التعليم تقاس بنتائج تمتد أحياناً لأجيال بأكملها.المطيري – [email protected]




