اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-14 00:00:00
في مرحلة مبكرة من حياتي، شاء القدر أن يتقاطع طريقي مع قامة إنسانية وفنية استثنائية، الفنان القدير عبد العزيز مخيون. لم تكن معرفة عابرة، بل كانت رحلة طويلة عبر الزمن شهدت العديد من اللحظات الحاسمة. ولم يكن هو فنانًا فقط كنت أشاهده من بعيد، بل تحولت العلاقة إلى علاقة إنسانية وفكرية عميقة. وكانت دعواته لي لزيارة مواقع تصوير أعماله الدرامية والسينمائية بمثابة نافذتي على عوالم ما وراء الكاميرا. لقد رأيت بوضوح هذا الالتزام الصارم الذي كان لديه. كان منزلي ومكتبي وجهة دائمة لأحاديثنا التي لا تنتهي، من السياسة إلى المجتمع، ومن الثقافة إلى الفن، وكانت زياراتي إلى منزله ومكتبته عالمًا آخر. كان مخيون موسوعة متجولة. دارت بيننا نقاشات لم تكن سطحية، امتدت من تفاصيل الفن إلى تعقيدات السياسة وتشابكات الثقافة، وانتهت بإلقاء قصيدة بصوته من أعمال أمل دنقل. ولم يكل من الحديث عن حلمه في تجسيد شخصية عبد الكريم الخطابي، أو دور والده الذي كان مولعا بالفن والموسيقى في تربيته، وعلاقته بأسرته في قريته الواقعة وسط مدينة أبو حمص بمحافظة البحيرة، حيث كان يعيش رافضا الاستقرار في القاهرة. ويعود إلى أعماله الفنية بين أهله وشعبه. لم يكن عبد العزيز مخيون فناناً معزولاً عن الواقع. بل بدأ حياته محمومة بالعمل العام، والانتماء للأحزاب السياسية، وممارسة السياسة عملاً أخلاقياً قبل أن يكون عملاً تنظيمياً. وكان إيمانه بالقضايا الوطنية والقومية محرك حياته. ولعل أبرز تجليات هذا الموقف هو قضيته الأولى: فلسطين. وفي ظل الحرب الأخيرة على غزة، لم يقتصر دوره على دور المراقب فحسب، بل كان صوته مرتفعا، داعيا العالم العربي والمجتمع الدولي إلى دعم الحق الفلسطيني، وهو الموقف الذي لم يكن مفاجئا لمن عرف جوهر تكوينه الفكري. درس المسرح في فرنسا من خلال وفد سافر إليه، وفي باريس عمل صحفيا، حيث أجرى مقابلات صحفية مع عدد من الكتاب والمفكرين والفنانين مثل جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وبيتر بروك، ونجيب سرور، وحسن فتحي. وفي مسيرته الفنية. فنجده فناناً يحرص على اختيار أدواره. وقد غاص في أعماق الشخصية ليعيد خلقها، مثل شخصية طه السماحي التي كتبها أسامة أنور عكاشة في ليالي الحلمية، أو شخصية ضابط المباحث التي أخرجها عاطف الطيب في فيلم الهروب، ومشهده الذي لا ينسى مع زوزو نبيل الذي لعب دور والدة أحمد زكي واحتجازه لها في قسم الشرطة حيث قدم أداء جعل شخصيته جزءا من النسيج الاجتماعي المصري. ونجح ببراعة في تجسيد التحولات النفسية والاجتماعية التي فرضتها. تغيرات العصر مثل أعماله مع يوسف شاهين: لماذا الإسكندرية، قصته مصرية. وأيضاً بئر الخيانة مع نور الشريف ومحمود عبد العزيز (شخصية أبو داود) التي تتعارض تماماً مع شخصيته، حيث جسد عدوه في الواقع والسينما، وجاء تجسيداً لقدرته على استحضار الجوانب المظلمة والمعقدة في النفس البشرية. واستطاع أن ينقل للمشاهد صراع الشخصية ومخاوفها دون مبالغة. وتجسيد شخصيات تاريخية مثل أبو طالب في مسلسل عمر، وحسن الهضيبي في مسلسل الاختيار، قدم أداء اتسم بالرصانة والعمق التاريخي، محاولا تقديم الشخصية من الداخل بموضوعية. أما تجسيده لشخصية الموسيقار محمد عبد الوهاب في أكثر من عمل فكان تحديا فنيا كبيرا. ونجح في تقليد «روح» الموسيقار العبقري، وليس فقط تقليد صوته أو حركاته، ليجعل منه أيقونة فنية تشبه الواقع وتتفوق عليه. وفي أحد الأعوام أصيب في حادث وتم نقله إلى المستشفى، وبالطبع كنت هناك بجانبه، وبعد تحسن حالته لم يخلو الحديث في غرفة المستشفى من الأحداث السياسية ورؤيته لمستقبل أفضل للشعب الفلسطيني. وكانت بوصلته واضحة وتقاطعت وتشابكت مع أعماله الفنية ودراما الحياة التي عاشها. عبد العزيز مخيون ليس مجرد ممثل يحفظ الأدوار. بل هو «مثقف عضوي» كما كان يصفه جرامشي. إنه الفنان الذي أدرك مبكراً أن الفن هو أعلى أشكال الدفاع عن الوعي. ومع كل جلسة حوار أجريتها معه، أدركت أنني لم أكن أمام ممثل قدير فحسب، بل أيضا أمام شاهد على العصر، ظل متمسكا بمبادئه في زمن قل فيه الملتزمون. ستبقى ذكرياتي معه جزءًا من حياتي، وتذكرني بأن الفن عندما يمتزج بالثقافة والالتزام يتحول إلى رحلة حياة لا تنسى. صحافي مصري



