اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-21 00:00:00
رأيت أطفال الدنيا كأحلام النائم — وكالمطر يقترب ظله ثم يتقلص. تعد رواية العلمنة من أقوى الروايات التي اعتمد عليها العالم الحديث في فهم نفسه وتفسير مساره التاريخي، حيث ساد الاعتقاد منذ فترة طويلة بأن التحديث يؤدي حتما إلى العلمنة. كما أن التنمية الاقتصادية، والتوسع العمراني، وارتفاع مستويات التعليم، وانتشار المعرفة العلمية سيؤدي أيضاً إلى تراجع تأثير الدين في الحياة الاجتماعية. وكانت هذه الفكرة جزءا من إيمان الحداثة بذاتها وتصورها لمنحنى التاريخ، وتوقعها لمستقبل يتراجع فيه الدين لصالح العقل والعلم والمؤسسات الحديثة. غير أن التطورات التي شهدها العالم خلال النصف الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين هزت الأسس الأساسية لهذه الرواية الكبرى، حيث شهدت مناطق كثيرة من العالم نهضة دينية قوية، ولم يقتصر ذلك على العالم الإسلامي وحده، بل ظهر في أمريكا والهند وأمريكا اللاتينية وإسرائيل وفي أوروبا بأشكال ومستويات مختلفة. وهكذا، بدأت الفرضية الأساسية لنظرية العلمنة، والتي تنص على أن “الحداثة تؤدي بالضرورة إلى انحطاط الدين”، تتعرض لموجات متزايدة من النقد والتشكيك. واليوم يمكن القول إن من أهم التحولات التي شهدتها العلوم الاجتماعية هو تفكك العلاقة الحتمية التي كانت مفروضة منذ زمن طويل بين الحداثة والعلمانية. وقد توصل عدد من أبرز علماء الاجتماع المدافعين عن نظرية العلمنة أنفسهم إلى الاعتراف بأن العالم الحديث أكثر تعقيدًا بكثير مما تفترضه النماذج الكلاسيكية. جاءت هذه المراجعات استجابة لحاجة تفسيرية ملحة فرضتها حقائق عجزت نظريات العلمنة التقليدية عن فهمها أو تفسيرها. أصبح من الممكن اليوم أن نرى بوضوح أن العالم الحديث هو عالم “ما بعد علماني” تتعايش فيه أشكال متعددة من الدين والعلمانية، وتتفاعل داخله رؤى مختلفة للإنسان والعالم. عندما ننظر إلى العلمنة من زاوية تاريخية، فإن أحد أهم الجوانب التي تتكشف أمامنا هو أن مسارها داخل العالم الإسلامي لم يكن – حتى في صورته المثالية – نتيجة طبيعية أو تلقائية للتحديث كما تفترض النظريات الكلاسيكية. يكشف التاريخ الحديث للعالم الإسلامي عن علاقة وثيقة بين العلمنة والاستعمار. لا شك أن رتابة الحياة اليومية تشكل أحد الأبعاد المهمة للعلمنة، وهي مسألة لم تقتصر على هذا العصر، بل كانت حاضرة بدرجات متفاوتة في عصور مختلفة. إن علمنة بعض جوانب الحياة الاجتماعية لم تمنع – حتى في العصر الحديث – من استمرار أو نمو الحركات الدينية. بل إن التعايش بين أنماط التدين وأنماط العلمنة داخل المجتمع الواحد ظل ظاهرة متكررة في مختلف المراحل الحديثة. إن تحول العلمنة إلى مشروع سياسي وأسلوب حياة مفروض على المجتمعات الإسلامية جاء، غالبا، في سياق الهيمنة الاستعمارية، وفي ظل عمليات الفصل بين الدين والدولة التي فرضتها القوى الاستعمارية أو النخب المرتبطة بها. ومن هنا لا بد من التمييز بين العلمنة كظاهرة اجتماعية تاريخية، والعلمنة كمشروع سياسي وأيديولوجي فُرض على المجتمعات الإسلامية من الخارج. وهنا تظهر خصوصية التجربة الإسلامية بوضوح. وبينما نشأت العلمانية في أوروبا كتسوية تاريخية للصراعات الدينية التي مزقت القارة الأوروبية لقرون عديدة، فإن النموذج العلماني الذي قدم للعالم الإسلامي جاء في كثير من الأحيان كنموذج مستورد ومفروض، وليس كاستجابة طبيعية لاحتياجات المجتمعات الإسلامية أو نتاج تطورها الذاتي. حدث هذا. ويدعم هذا النموذج سردية موازية تؤكد باستمرار أن العلمانية تمثل السبيل الوحيد للتسامح والتعايش والسلام المدني، رغم أن التجربة التاريخية للعالم الإسلامي تكشف كيف تحولت العلمانية في كثير من الأحيان إلى إيديولوجية راسخة لا تقل تعصبا عن أشكال التعصب الديني التي زعمت أنها تحاربها. بل إنها في كثير من الأحيان مارست ضغوطاً هائلة على الدين وعلى المتدينين، وخاصة على الإسلام باعتباره المكون الثقافي والحضاري الأساسي لهذه المجتمعات. ومن هنا فإن العلمانية، كما مورست في أجزاء واسعة من العالم، لم تنجح كصيغة لإدارة التنوع أو ضمان السلام الاجتماعي بقدر ما عملت كأداة لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصورات ثقافية وسياسية محددة، وبالتالي تحولت من مشروع كان من المفترض أن يحقق التعايش إلى أحد أهم مصادر الانقسام والصراع. ومن هنا يمكن القول إن أزمة نظرية العلمنة ليست مجرد أزمة تفسيرية داخل العلوم الاجتماعية، ولكنها أيضا أزمة ناجمة عن عجز هذه النظرية عن فهم المسارات التاريخية المتعددة التي عرفتها المجتمعات البشرية. وليست التجربة الغربية النموذج الوحيد للحداثة، كما أن العلاقة بين الدين والحداثة ليست علاقة واحدة وثابتة في كل مكان. ويبدو أن المستقبل يتجه نحو أشكال جديدة من التفاعل والتعايش وإعادة التشكيل المتبادل بين المجالين، ضمن عالم أصبح أكثر تعقيدا وتعدد الأوجه مما تصورته كبرى نظريات الحداثة في بداياتها. أكاديمي وسياسي وكاتب تركي




