اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-04 00:00:00
بقلم سارة سليم: هدف بعض الذين يكتبون ليس التدوين من أجل الخلود، بل السعي لفهم أنفسهم ومراجعة تجربتهم في الحياة. أحيانًا يكتب ليملأ الفراغات التي لم يفهمها وقت حدوثها، أو ليروي جانبًا منها كسيرة ذاتية لجعلها أكثر تماسكًا. نحن لا نكتب لنكتشف من نحن، بل لنمنح حياتنا العديدة قصة متماسكة يجب الحفاظ عليها. فالوعي الإنساني لا يصل إلى شكله النهائي عبر فكرة جاهزة، بل يخترع نفسه تدريجيا من خلال إعادة إنتاج نفس التعايش ليعطي للحياة صورة أخرى قد تكون أكثر وضوحا. وقد جسَّد الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي هذا الانسجام الفلسفي عندما رأى أن «الإنسان كاتب سيرة ذاتية يبحث عن الاتساق في قصته، وليس كائنًا يكتشف هويته الأساسية». هذه المقولة تعبر عن تحول الفكرة المجردة إلى واقع ملموس في تجربة الكاتبة القطرية سلوى المهندي. واستخدمت السيرة الذاتية كأداة تستذكر من خلالها رحلتها الشخصية مع التعليم كمعلمة خليجية شهدت في كتابها «رحلتي مع الخط الأحمر» الصادر حديثاً عن دار التنمية (2026) في مصر، تحولات عديدة في هذا القطاع. وما يميز نصوص المهندي هو الصدق الذي نبحث عنه عندما نقرأ أدب السيرة. الصدق لا يمنح صاحبه صورة خيالية قريبة من المثالية، بل يقدم تجربة إنسانية دون تعديل، واصفًا ما مر به كأي إنسان يكتب عن نفسه كما هي، وليس كما يتوقعها أو يفرضها عليه الآخرون. إنها لا تصور نفسها كمعلمة خارقة، بل تقدم تجربة شخص واجه تحديات في مهنته وداخل بيئته الخاصة. تقول: «كنا نرتعش في اللقاءات، لأننا كثيراً ما نخطئ، وقلما ندرك ما هو الخطأ، وربما جاءت السعادة الكاملة من العفوية والأخطاء غير المقصودة». ولذلك سنكشف في المقال عن جوانب أخرى من البيئة التعليمية في قطر، والتي تختلف عن الصورة النمطية التي تلقيناها عن المجتمع الخليجي كمجتمع مترف، لا تعقيدات فيه. وهنا يتناول كتاب سلوى المهندي، من خلال قصتها الشخصية، عملية التعليم في قطر خلال الفترة ما بين 1993 و2004، موضحا فكرة لا تقل أهمية عن بقية موضوعات الكتاب. إن طموح كل مجتمع وتحدياته هو أن يثبت مكانته. وهذا ما يظهر في نص «غيمة عابرة»، حيث تعود سلوى المهندي إلى مقال كتبته عام 2000 لتوثيق رحيل زميلتها المعلمة «نافيلة آل ثاني». تبدأها بعبارة: “كلما تباعدت المسافة بيننا، اقترب وجهك من أي شيء”. من دون رسم هالة خيالية حول المتوفاة، بل لملء فراغ لم تكن تدركه وقت حدوثه. وكانت نافلة تلمح إلى أن رحلتها ستكون قصيرة وسط غفلة أصدقائها الذين واجهوا هذه العلامات بالانشغال المعتاد، وقد انكشف هذا الحدس متأخراً بعد الانفصال؛ “السحابة الكريمة، حتى لو طال الزمن، عليها أن ترحل، حضورها قصير دائما، وتأثيرها عميق”، على حد تعبير الكاتب. يمتد الولاء للزملاء أيضًا إلى البدايات. وفي نص «معلمتي دائماً» تسترجع الكاتبة ذكرياتها مع معلمتها «حصة الشايب». توثيق مواقف واقعية لمعلمة عرفت كيف تكسب الاحترام بالكلمة الهادئة، وكانت لديها الشجاعة للاعتذار في وجه أسئلة تلميذتها الكثيرة. يجسد النص امتدادًا حيًا؛ تغيرت الأدوار وكبرت الطفلة لتصبح معلمة وأماً، دون أن تفقد حاجتها إلى صوت معلمتها الأولى التي كتبت عنها: «علمتني أن المعرفة ليست قيمة عقلية للإنسان إذا لم تقترن بحسن الخلق والتواضع»، في تقاطع زمني يمنح قصتها الشخصية معناها الأكمل. وأما نص “أبلة ألفت” فيتحول هذا الوداعة إلى حزم. معلمة كتبت عنها سلوى: “كنت أبحث عن هويتي في مكانها”. تبددت مخاوف الطالبات أمامها، وتحولت دروسها إلى شغف بالقواعد، ورفضت فيما بعد أن تكون تلميذتها مجرد نسخة عنها، مما دفعها نحو استقلالها ومبادئها. ولا يتوقف هذا الصدق عند نماذج الإلهام، بل يمتد إلى توثيق مخاوف الطفولة الحقيقية. كما في الحافلة المدرسية «العنبانية» وحوادثها التي لا تزال تطاردها حتى الآن. وكتبت سلوى المهندي في “رحلتي مع الخط الأحمر” عن تجربتها كمعلمة لتوثيق جانب من حياتها. لم تكن الوظيفة مجرد روتين يومي، بل هوية حاولت من خلالها فهم نفسها وكيف غيّرها ذلك الزمن. لكن بالتوازي مع ما هو شخصي، نجد أنفسنا تلقائيًا نقرأ جانبًا من تاريخ التعليم في قطر. وكأنها رسمت من خلال روايتها الخاصة قصة المدارس في ذلك الوقت: مدرسة برزان، ومدرسة الشيماء، ومدرسة الخور الثانوية. ومن خلال حديثها عن معلميها وزملائها وطلابها، عرفت كيف تنقل القارئ إلى أجواء تلك الفترة وكأنه يشاهد مسلسلاً من عصر الأبيض والأسود. شاركت سلوى المهندي قصتها مع التعليم بواقعية شديدة، وهذا ما يبحث عنه القارئ الذي يبحث عن فهم تجربة سابقة. إن انتقال سلوى نفسها من الدراسة والحديث عن معلماتها، إلى كونها معلمة تعرف كيف تدير علاقتها مع طالباتها وزملائها، يمثل في حد ذاته استعراضاً لمرحلة مهمة في تاريخ المنطقة، ولكن من وجهة نظر تربوية عرفت كيف تنقل من خلال قصتها الشخصية تاريخ المرأة القطرية مع التعليم، انطلاقاً من مقولة صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر: «كل شيء يبدأ بالتعليم».




