اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-19 21:30:00
أعاد نصب تذكاري في منطقة “سوريا الصغيرة” في مدينة نيويورك فتح إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقة اللبنانية السورية، بعد أن تضمن وصف عدد من أدباء ومفكري الشتات، ومن بينهم جبران خليل جبران، بـ”السوري”. وأثار ذلك موجة غضب واسعة في أوساط المجتمع اللبناني، ودفع وزير الخارجية يوسف راجي للمطالبة بتعديل اللوحة، معتبرا أنها تمحو الهوية اللبنانية وتعيد تقديم الشخصيات اللبنانية في إطار لا يعكس واقعهم التاريخي والسياسي. بدأت القضية بتركيب لوحة تذكارية في الحي الذي كان يُعرف تاريخياً باسم “سوريا الصغيرة” في مانهاتن، وهو الحي الذي استقبل موجات من المهاجرين من بلاد الشام في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبحسب القائمين على المشروع، فإن الاسم يعود إلى العهد العثماني، حيث كانت المنطقة الممتدة من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن تُعرف في الأدب الغربي باسم “سوريا الكبرى” أو “الشام”. لكن الاعتراض اللبناني لم يكن على الاسم التاريخي للحي نفسه، بل على تقديم شخصيات لبنانية معروفة وكأنها تحمل هوية وانتماء سوريين. وأحيا هذا الحدث جدلا تاريخيا عمره عقود، وربما أكثر من قرن من الزمان. منذ قيام دولة لبنان، استمر جزء من الخطاب السياسي والثقافي في سوريا في النظر إلى لبنان باعتباره امتدادًا جغرافيًا وتاريخيًا لسوريا الطبيعية، بينما من ناحية أخرى، نشأ خطاب مضاد داخل لبنان يقوم على التركيز على الخصوصية اللبنانية والهوية المستقلة. هذه الحساسية لم تولد فقط مع النظام السوري السابق، ولم تختف مع تغير الأنظمة أو التحولات السياسية. وحتى بعد تراجع النفوذ السوري المباشر في لبنان، لا تزال تظهر بين الحين والآخر نقاشات تتعلق بالهوية والانتماء والتاريخ المشترك. وفي كل مرة يعود النقاش نفسه: هل لبنان كيان مستقل له هويته الخاصة، أم جزء من مساحة شرقية أوسع تم تقسيمها سياسيا؟ المفارقة أن شخصيات مثل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي عاشوا فعلياً ضمن فضاء ثقافي شرقي واحد، وهاجروا من منطقة كانت تعرف خارجياً بـ«سوريا العثمانية»، لكن ذلك لا ينفي هويتهم اللبنانية، التي أصبحت فيما بعد جزءاً أساسياً من تراثهم الأدبي والسياسي. ولذلك، يبدو أن الأزمة أعمق من مجرد خطأ تاريخي أو وصف أكاديمي. إنه صراع مزمن على السرد والذاكرة والهوية، يتجدد كلما ظهر حدث يعيد تشكيل الحدود بين التاريخ والجغرافيا والسياسة. المشكلة، بالنسبة للعديد من اللبنانيين، ليست الاعتراف بالتاريخ المشترك بين البلدين، بل الخوف المستمر من أن يذوب الكيان اللبناني في سردية أوسع تجرده من خصوصيته. وربما لهذا السبب بالتحديد، لم تنه السنوات والأنظمة الطويلة هذا الجدل. ولم تعد القضية مرتبطة بالسياسة فقط، بل بعقلية متجذرة في الجانبين، ترى في التاريخ حق دائم في إعادة تعريف الحاضر، وعقلية أخرى تخشى دائما أن يتحول هذا التاريخ إلى وسيلة لإلغاء الهوية.




