اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-27 12:00:00
«الاتفاق الإطاري» الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يطرح تساؤلات تتجاوز مضمونها الأمني والسياسي المباشر، لتطال جوهر النظام الدستوري اللبناني وحدود صلاحيات الدولة في إدارة التزاماتها الدولية. ولا يبدو الاتفاق، بحسب المعطيات الواردة، مجرد تفاهم فني لوقف التوتر أو تنظيم الاشتباك في جنوب لبنان، بل هو خطوة أولى في مسار سياسي أمني أوسع، ترعاه الولايات المتحدة، ويهدف إلى إرساء ترتيبات ميدانية جديدة على الحدود، تمهيداً لمرحلة لاحقة من إعادة صياغة قواعد الاشتباك بين لبنان وإسرائيل. وفي هذا السياق، يكتسب الدور الأميركي أهمية محورية، حيث أصبحت واشنطن عمليا المرجع الأساسي لهذا المسار، سواء من خلال رعايتها المباشرة للمفاوضات، أو من خلال إشرافها على آليات التنفيذ، أو حتى من خلال مشاركتها الفنية العسكرية في بعض الترتيبات الميدانية من خلال ضباط يشرفون على التنسيق مع الجيش. وهو ما يعكس الانتقال التدريجي من دور الوسيط التقليدي إلى دور الشريك في إدارة تفاصيل المرحلة الانتقالية. في المقابل، حاول لبنان إرساء مجموعة من الثوابت خلال المفاوضات، في مقدمتها حصر المفاوضات بمؤسسات الدولة، والتأكيد على دور الجيش في أي انتشار ميداني لاحق، وربط أي ترتيبات مستقبلية بمبدأ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة. وتعكس هذه الثوابت محاولة واضحة لاستعادة دور الدولة السيادي في قضية حساسة للغاية، ظلت لسنوات طويلة منقسمة بين اعتبارات داخلية وإقليمية متشابكة. أما إسرائيل، فقد دخلت الاتفاق من موقع ميداني وأمني متقدم، محتفظة بمجموعة شروط، أبرزها ربط أي انسحاب كامل بضمانات أمنية تتعلق بمنع التهديدات القادمة من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى الحفاظ على ترتيبات ميدانية تعتبرها «مناطق أمنية» وحق التحرك عند الحاجة. ما يعني أن الاتفاق، في جوهره، لا ينهي الصراع، بل يعيد تنظيمه ضمن قواعد جديدة. لكن البعد الأكثر حساسية يبقى مرتبطاً بمكانة حزب الله في هذه المعادلة. وبينما يتجنب النص اللبناني الإشارة إليه بشكل مباشر، فإن الخطاب الأميركي والإسرائيلي يربط بشكل غير مباشر مستقبل الاتفاق بمسألة السلاح خارج الدولة، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً فعلياً لمعادلة السيادة واحتكار الدولة لقرار الحرب والسلام. وسط هذا المشهد تبرز المشكلة الدستورية اللبنانية كعنصر لا يقل أهمية عن البعد السياسي. وبحسب القواعد الدستورية العامة، فإن الاتفاقيات الدولية التي تنطوي على التزامات سياسية أو أمنية أو حدودية، تخضع لعملية موافقة رسمية تمر عبر مجلس الوزراء ومجلس النواب، قبل أن تحصل على صفة التنفيذ الكامل. لكن طبيعة «الاتفاق الإطاري»، كتفاهم أولي أو خارطة طريق، قد تضعه في منطقة وسطى بين الاتفاق السيادي الملزم والترتيبات التنفيذية التي يمكن تنفيذها من دون المرور الفوري بالمسار البرلماني. وهنا يبرز سؤال أساسي: هل نحن أمام اتفاق نهائي يفرض مساراً دستورياً كاملاً، أم أننا أمام مرحلة انتقالية تديرها السلطة التنفيذية تنتظر أن تنضج تسوية أكثر شمولاً؟ وفي الحالتين، تبدو الساحة اللبنانية أمام اختبار مزدوج: اختبار سياسي يتعلق بقدرة الدولة على السيطرة على الملف السيادي، واختبار دستوري يتعلق بكيفية تحويل الاتفاق من التفاهم الدولي إلى التزام داخلي فعال، دون خلق مشاكل داخلية جديدة. ولا يقل البعد الرمزي أهمية عن البعد القانوني، إذ إن توقيع الاتفاق في واشنطن، بحضور رعاية أميركية مباشرة، يمنحه ثقلاً سياسياً يتجاوز الإطار الثنائي، ويضعه في سياق إعادة رسم التوازنات الإقليمية، خاصة في جنوب لبنان الذي يشكل تاريخياً ساحة تفاعل بين المحلي والإقليمي والدولي. وبرأي المحللين، لا يبدو أن “اتفاق الإطار” هذا مجرد خطوة فنية على طريق خفض التصعيد، بل بداية طريق طويل لإعادة تعريف العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ودور الدولة اللبنانية في إدارة هذا الملف، وحدود تأثير القوى الإقليمية والدولية عليه. وبين النصوص الموقعة على الورق، والحقائق التي سيتم اختبارها على الأرض، يبقى السؤال الأهم مفتوحا: هل يدخل لبنان فعلا في مرحلة تسويات مستقرة، أم أنه يفتح بابا جديدا لمرحلة انتقالية معقدة، عنوانها الاتفاق، لكن مضمونه اختبار طويل للسيادة والدستور والواقع معا؟

