اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-09 14:00:00
كتب الوزير السابق محمد وسام المرتضى: قصة الجنوب ليست فقط قصة أرض تتلقى العدوان، بل قصة وطن يختبر في كل مرة معنى الوفاء. وهناك، على الحدود التي طالما أرادها العدو جانباً ناعماً، وقف البسطاء ليحولوها إلى خط أخلاقي يفصل بين من يرى الأرض مجرد جغرافيا، وبين من يرى فيها الكرامة والهوية وحق البقاء. لذلك لم يكن الجنوب يوماً مجرد ساحة قتال، بل كان دائماً مرآة تظهر حقيقة اللبنانيين: كيف ينتفضون عندما يُقدر لهم الهزيمة، وكيف يزداد تمسكهم بأرضهم كلما اشتدت المحنة عليهم. وفي الجنوب، لا تقاس القرى بعدد بيوتها، بل بعدد المرات التي نهضت فيها من تحت الأنقاض. بنت جبيل، عيتا الشعب، مارون الراس، الخيام، العديسة، عيناتا، ميس الجبل، الريحان… ليست مجرد أسماء على خريطة، بل صفحات حية من الذاكرة كتبت بالصبر والدم. وهناك سقطت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، ليس لأن شعب الجنوب كان يتمتع بفائض من القوة، بل لأنه كان يمتلك ما هو أكثر ديمومة من القوة: إرادة البقاء في الأرض، والاعتقاد بأن الكرامة لا يمكن استعارتها من أي شخص، ولا يمكن حمايتها إلا من قبل شعبها. أولئك الذين عادوا إلى بيوتهم المدمرة مراراً وتكراراً، وانتشلوا أطفالهم من تحت الركام ثم واصلوا الحياة، لم يكونوا يبحثون عن بطولة مسرحية ولا عن صورة في كتب التاريخ. كانوا يدافعون، ببساطة مؤلمة، عن حقهم في عدم اقتلاعهم من ديارهم، وعن حق هذا الوطن في البقاء وطناً وليس مساحة محتلة. ولذلك فإن أي خطاب سياسي لا يبدأ باحترام هذه التضحيات يبقى ناقصا، مهما كانت عباراته غنية وعلا صوته. ومن هنا تبدأ مسؤولية السياسة الحقيقية: ليس في إدارة الانقسامات، بل في حماية ما تبقى من معنى المجتمع الوطني. العدو لا ينظر إلينا كطوائف متحاربة أو جماعات متعارضة. بل يرى أمة واحدة يريد إخضاعها، وأرضاً يريد احتلالها، وشعباً يريد إنهاكه حتى يفقد الثقة بنفسه وينسحب من أدواره. وهذا العدو عندما يهجم لا يفرق بين منطقة وأخرى، ولا بين لبناني وآخر. فكيف يجوز لبعضنا أن يتصرف وكأن النار في حدود البعض الآخر؟ إن الاستسلام للترهيب الخارجي ليس «واقعية سياسية» على الإطلاق، بل هو بداية انحدار لا أحد يعرف أين سينتهي. وقد لخص ونستون تشرشل هذه الحقيقة عندما قال: “لا يمكنك أن تتفاوض مع نمر ورأسك في فمه”. فالعدو الذي اعتاد التنازلات لا يصبح مسالماً، بل يصبح أكثر شراسة وجشعاً، لأنه يقرأ التراجع على أنه دعوة مفتوحة لمزيد من البلع. ولهذا بقيت أسماء في التاريخ لأنها أدركت أن الأوطان لا تحفظ بالاستسلام. ورفض شارل ديغول اعتبار فرنسا ساقطة رغم الاحتلال، لأنه أدرك أن الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما تستسلم الروح أمام الأرض. لقد خرج نيلسون مانديلا من السجن الذي دام سبعة وعشرين عاماً وهو أكثر إيماناً بحقه، لأن القضية العادلة قد تتعب شعبها، ولكنها لا تموت ما دام هناك من يؤمن بها. ويبقى الانحناء خشوعاً أمام أرواح الشهداء الذين كتبوا بدمائهم المعنى الحقيقي للسيادة، وأمام الجرحى الذين تحملوا آلامهم بصمت يشبه الكبرياء، وأمام الأمهات اللاتي حولن الدموع إلى قوة، وأمام النازحين الذين خرجوا من بيوتهم يحملون… مفاتيحها كما يحمل الإنسان ذكراه وروحه. هؤلاء ليسوا هامشاً في القصة اللبنانية، بل هم قلبها النابض كلما حاول اليأس أن يتسلل إليها. وفي الختام، سلام على الجنوب، لأنه في كل مرة يذكر الجميع أن الأوطان لا يحميها من تعب من التضحيات، بل من يجاهد من أجلها.



