اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-18 12:00:00
لم يدخل لبنان الحرب الأخيرة من موقع اقتصادي متين، بل من قلب أزمة طال أمدها منذ عام 2019، عندما انهار النظام المالي، وتراجعت الثقة في القطاع المصرفي، وتحول الاقتصاد تدريجيا إلى نموذج نقدي هش يعتمد على الدولرة والتحويلات الخارجية. إلا أن عام 2025 شهد مؤشرات انتعاش نسبي، حيث قدر البنك الدولي النمو بنحو 3.5%، مدفوعا بالاستهلاك الداخلي وتحسن تدفقات التحويلات، إضافة إلى الاستقرار النسبي في سعر الصرف وانخفاض معدلات التضخم مقارنة بالسنوات السابقة. لكن هذا التعافي ظل محدودا، ولم يعكس معالجة فعلية للاختلالات الهيكلية، مما جعله عرضة للتآكل مع أول صدمة كبرى. ومع اندلاع المواجهة الأخيرة، دخل الاقتصاد اللبناني مرحلة الإرهاق المباشر. وقدرت وزارة الاقتصاد كلفة الحرب بما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار يوميا، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 100 مليون دولار في حال استئناف العمليات. وتعكس هذه الأرقام حجم النزيف الذي أصاب مختلف جوانب الاقتصاد، من الإنتاج إلى الاستثمار إلى القوة الشرائية. كما تشير التقديرات إلى احتمال انكماش الناتج المحلي بنحو 9%، في وقت من المتوقع أن يرتفع التضخم إلى 18.5%، مع تسجيل معدلات بطالة قد تتجاوز 46%. وعلى المستوى القطاعي، بدت تداعيات الحرب أكثر وضوحاً، إذ أدى القصف والتوتر الأمني إلى إغلاق عدد كبير من المصانع، خاصة في الجنوب والضواحي، ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الصناعي بنحو 40%. واضطرت نسبة كبيرة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى إغلاق أنشطتها أو تقليصها بشكل كبير. من ناحية أخرى، تراجعت الصادرات الصناعية والزراعية نتيجة المخاطر التي طالت المعابر والطرق الحيوية، مما أعاد الاقتصاد إلى نقطة قريبة من الصفر بعد تحسن نسبي عن العام السابق. إلا أن التأثير الأعمق للحرب لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية المباشرة، بل يمتد إلى البنية المالية للدولة. وتشير التقديرات إلى أن إيرادات الدولة قد تتراجع بنحو 50% خلال العام 2026، ما ينذر بعجز واسع في الموازنة واستنزاف إضافي لاحتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. ومع تقلص هذه الاحتياطيات، تتراجع قدرة البنك المركزي على السيطرة على سعر الصرف والحد من التضخم، مما يهدد البلاد بالدخول في موجة جديدة من عدم الاستقرار النقدي. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيداً، إذ لا يواجه لبنان تحدي إعادة الإعمار فحسب، بل أزمة معقدة تشمل الدين العام والقطاع المصرفي وتراجع الثقة المحلية والدولية. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى فجوة مالية في القطاع المصرفي تقدر بنحو 60 مليار دولار، ما يجعل أي مسار للتعافي مرتبطا بإعادة هيكلة شاملة لهذا القطاع. وشدد الصندوق في تقاريره على أن أي برنامج إنقاذ يتطلب تنفيذ إصلاحات عميقة، بما في ذلك إعادة هيكلة البنوك وإصلاح السياسات المالية والضريبية، بالإضافة إلى تأمين التمويل لإعادة الإعمار وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. ولفت إلى أن لبنان سيحتاج إلى دعم خارجي واسع بشروط ميسرة، في ظل محدودية قدرات الدولة على تمويل عملية إعادة الإعمار. ورغم وضوح المسار الاقتصادي المطلوب، إلا أن العائق الأساسي يبقى سياسياً بالدرجة الأولى. يمتلك لبنان عناصر نظرية للتعافي، من موقعه الجغرافي إلى حيوية قطاعه الخاص وموارده البشرية. لكن هذه العوامل ظلت يعرقلها الانقسام السياسي وتعثر مؤسسات الدولة، وهو ما أعاق تنفيذ الإصلاحات لسنوات. وعلى ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن الاقتصاد اللبناني بعد الحرب سيكون امتداداً لما قبلها، بل مرشحاً للتحول في طبيعته. وإذا توقفت الحرب دون إطلاق مسار إصلاحي جدي، فقد يستمر الاقتصاد في وضع “البقاء”، مع زيادة الاعتماد على التحويلات الخارجية والاقتصاد غير الرسمي. لكن إذا صاحبت نهاية الحرب إجماع سياسي ودعم دولي، فقد تظهر فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر إنتاجية، بعيداً عن النموذج الريعي الذي ساد منذ عقود. بين هذين المسارين، يقف لبنان في مرحلة غامضة. لقد سرعت الحرب وتيرة الانهيار، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن حدود النموذج الاقتصادي السابق. ومن هنا فإن التحدي لا يكمن في وقف الحرب فحسب، بل في تحديد المسار الذي ستتخذه البلاد بعد ذلك. وقد تنتهي المواجهة عسكرياً في مرحلة ما، لكن تداعياتها الاقتصادية مرجحة أن تستمر لسنوات. ويبقى مستقبل الاقتصاد اللبناني مرهوناً بالسياسات التي سيتم اعتمادها في فترة ما بعد الحرب، أكثر من اعتماده على نتائجها الميدانية.

