اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-19 09:00:00
بين التاسع عشر من الشهر الجاري (اليوم)، رغم عدم معرفة سبب إلغاء نائب الرئيس الأميركي سفره إلى جنيف، والثاني والعشرين، ثلاثة أيام تفصل لبنان عن خط النهاية لوضع حد لأزماته المتراكمة، التي يجب أن يبدأ حلها من حيث تنتهي، قبل الحديث عن أي شيء آخر. وهذه النهايات، كما هو معروف، بدأها لبنان الرسمي، ممثلاً برئاسة الجمهورية والحكومة، عندما قرر انتهاج سياسة عدم الهروب إلى الأمام، من خلال الدخول في مفاوضات شاقة مع إسرائيل برعاية أميركية تحت شعار ضمان وقف إطلاق النار والانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من كل شبر احتله في الجنوب، وإعادة الأسرى والمفقودين، والبدء في إعادة الإعمار، وضمان عودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم بالسلامة والأمان بكرامة وعزة، وهم هم الذين ذاقوا الأمرين في الملاجئ. وقبل هذا القرار الذي يصفه العديد من المسؤولين الدوليين بالشجاع والحكيم، كان لبنان قد اتخذ قرارين داخليين، الأول يتعلق بحصر السلاح في يد القوات الشرعية وحدها، والثاني يمنع أي عمل عسكري لحزب الله ويعتبره محظورا، إضافة إلى اعتبار بيروت الإدارية منطقة خالية من الأسلحة غير الشرعية. بهذه القرارات، الخارجية والداخلية، وضع أصحاب السلطة في لبنان أصبعهم على الجرح اللبناني النازف. ولا حل لتحرير الأرض إلا عبر المفاوضات مع إسرائيل، العدو الأول والأخير للبنان، وبالتالي لا تحرير للقرار اللبناني ما دام حزب الله مصراً على مصادرة قرار الحرب، وبقي على موقفه الرافض لمبدأ التفاوض المباشر. لكن، وعلى الرغم من أهمية هذه القرارات، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بعوامل تتجاوز إرادة اللبنانيين وحدها. ورغم أن المفاوضات مع إسرائيل تندرج في إطار تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال تنفيذ القرارات الدولية، لا سيما القرار 1701، إلا أنها تجري في مناخ إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتقاطع الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية على الساحة اللبنانية. ولذلك فإن أي تقدم على هذا المسار يتطلب إرادة متبادلة لعدم تحويل لبنان مرة أخرى إلى ساحة لتبادل الرسائل أو تصفية الحسابات. وفي هذا السياق، يراهن لبنان الرسمي على أن الالتزام حصراً بالسلاح بيد الدولة سيشكل نقطة تحول في نظر المجتمع الدولي الذي ربط دائماً تقديم المساعدات المالية والاستثمارية بإقامة دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها. ولا تخفي الدول المانحة، من الولايات المتحدة إلى أوروبا والدول العربية، أن إعادة الإعمار التي تتطلب مليارات الدولارات، لن تكون ممكنة إلا إذا رافقتها إصلاحات سياسية وأمنية واضحة تضمن عدم تكرار ما حدث في السنوات الماضية. لكن هذه الرهانات تصطدم بواقع داخلي معقد. ويعتبر حزب الله، الذي يرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل ويتشبث بخيار “المقاومة”، أن الضغوط الرامية إلى نزع سلاحه أو الحد من دوره تأتي في سياق مشروع سياسي يهدف إلى تغيير موازين القوى الداخلية والإقليمية. ومن ثم، فإن الحزب لا ينظر إلى مسألة السلاح باعتبارها مسألة داخلية فقط، بل يربطها بالصراع الأوسع في المنطقة، وبمستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. أما معارضو الحزب فيرون أن اللحظة الراهنة قد تكون الأنسب منذ سنوات لاستعادة احترام الدولة ومؤسساتها، مستفيدة من المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية. ويرون أن أي تراجع عن القرارات التي اتخذتها السلطة سيعيد لبنان إلى نفس الحلقة المفرغة، أي دولة ضعيفة واقتصاد منهك ومجتمع يعيش على إيقاع الحروب والأزمات. ومن هنا، فإن الأيام الفاصلة بين التاسع عشر (اليوم)، إذا لم يحدث شيء غير متوقع، والثاني والعشرين من هذا الشهر، تكتسب أهمية استثنائية، ليس لأنها ستنهي كل أزمات لبنان دفعة واحدة، بل لأنها قد ترسم الاتجاه الذي ستسلكه البلاد في السنوات المقبلة. فإما أن ينجح لبنان في ترسيخ خيار الدولة الواحدة ذات القرار الأمني والعسكري والسياسي، ويستفيد من الدعم الدولي لإعادة بناء ما تم تدميره، أو أن تتعثر الجهود الحالية تحت وطأة الانقسامات الداخلية والتوترات الإقليمية، ويعود اللبنانيون إلى انتظار تسوية جديدة، أو حرب جديدة، في منطقة لم تعرف بعد الاستقرار الدائم. ويبدو أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة إعادة الدولة إلى قرارها السيادي، لأن تحرير الأرض، رغم أهميته، يبقى منقوصاً إذا لم يرافقه تحرير القرار الوطني من ازدواجية السلطة والسلاح. الدول لا تبنى بالرهانات المتناقضة، بل بإرادة موحدة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتجعل الدولة المرجع الوحيد لكل اللبنانيين. لا يبدو أن ما يواجهه لبنان مجرد استحقاق سياسي عابر، بل هو لحظة اختبار لجوهر الدولة نفسها، أي قدرتها على أن تكون المرجعية الوحيدة للقرارات، أو أن تظل أسيرة توازنات متناقضة تدار من خارجها وداخلها في الوقت نفسه. إن كل المفاوضات والضمانات والشروط المطروحة اليوم لن تكتسب قيمتها الحقيقية ما لم تترجم إلى مسار واضح يعيد الاحترام لفكرة الدولة باعتبارها الوصي الوحيد على الأمن والسياسة والمستقبل. لكن التاريخ اللبناني بكل تعقيداته يعلمنا أن اللحظات المحورية لا تقاس فقط بالقرارات المعلنة فيها، بل بالإرادات التي تبنى بعدها. فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى بداية خروج تدريجي من دائرة الحروب بالوكالة والصراعات المفتوحة، أو تضاف إلى سلسلة الفرص التي ضاعت تحت ضغط الحسابات المتناقضة. ويظل السؤال معلقا، لكنه أصبح هذه المرة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فهل يملك لبنان ترف تضييع فرصة أخرى، أم أن ساعة الحقيقة قد دقت، بحيث لم يعد من الممكن تأجيل ما تم تأجيله منذ عقود؟


