اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-13 12:17:00
بعد أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربة قوية لطهران، ثم أوقفها بعد ساعات مع كشفه عن التوصل إلى اتفاق مع نظام الملالي، انقلب المشهد رأسا على عقب. وكان الجميع يعول على استمرار الضربات الأميركية، وكان الاعتقاد السائد أن صبر ترامب قد نفد. وبعد هذا الإعلان، بدأت المواقف تظهر علناً لوضع النقط على الحروف. ومن خلال المواقف الإيرانية المتناقضة، والتي يعتبرها بعض المحللين انعكاسا لحالة من الفوضى داخل النظام، يبرز سؤال جوهري: هل نحن حقا أمام إرباك حقيقي، أم أنها مجرد لعبة مناورة جديدة لإبقاء المشهد ضبابيا ومختلطا؟ معضلة خيارات طهران. وقبل الخوض في المواقف، لا بد من قراءة مشهد الوضع الإيراني، الذي أصبح الآن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت البطيء بقبول الاتفاق، أو اختيار «لا اتفاق»، وهو الخيار الذي سيعيد الآلة العسكرية الأميركية إلى سماء طهران لاستكمال الضربة على البنية العسكرية. وعلى الرغم من الغطرسة ورفع السقوف السياسية التي يواصل النظام إظهارها في مواقفه، حتى بعد تعليق الإضراب، في محاولة لإثبات قدرته على العرقلة وفرض الشروط، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل التأكيد على أن الأمور تسير وفق ما يريد، وأن الاستعدادات جارية للتوقيع، وتكليف نائبه جي دي فانس بهذه المهمة على الأراضي الأوروبية. وفي مقابل هذه التطمينات الأميركية، لا تزال المواقف الإيرانية الرسمية توحي بالازدواجية الصارخة. وأظهرت المفاجأة التي أطلقها ترامب وكأن هناك حالة من الانقسام والارتباك السياسي داخل أروقة الحكم في طهران. وفي أول تعليق رسمي، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية، عبر المتحدث باسمها إسماعيل بقائي، أنه “تم الاتفاق على معظم البنود، ونحن في المرحلة النهائية من التصديق عليها”، مضيفة أن “القول إننا اقتربنا من اتفاق ليس بالأمر الجديد، إذ كان من الممكن التوصل إليه قبل عدة أسابيع، لكن المشكلة تكمن في التصريحات المتناقضة للجانب الأمريكي”. كما اعتبر أن “اتهام إيران بعدم حسن النية غير صحيح، ومن الواضح للجميع أي جهة تفتقر إلى حسن النية”. في المقابل، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تدوينة على منصة “إكس”، أن “مذكرة التفاهم بشأن إسلام آباد أصبحت أقرب من أي وقت مضى”، داعيا إلى الامتناع عن التكهنات، وهو التصريح الذي أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشره، واصفا إياه بـ”الإيجابي للغاية”. سقوط زمن المناورات. وهذا التباين في المواقف الإيرانية انعكس أيضاً في تسريبات وكالات الأنباء الرسمية. وبينما زعمت وكالة “إيرنا” أن طهران قدمت ردا من عشرة بنود، نقلت وكالة “فارس” عن مصادر مطلعة تشكك في رواية ترامب. وهو ما اتسمت به طهران دائماً من حيث التهرب ومحاولة الإيحاء بأن النظام لم ولن يقدم تنازلات جوهرية. لكن يبدو أن نظام “الوصي الحقوقي” لا يزال يراهن على إطالة عمر التفاوض، رغم أن المناورة هذه المرة قد تكون الأخيرة. ويبدو أن الطاولة أعدت بطبق مسموم أعده ترامب، وسيشرف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس على توقيعها. وكان فانس أكد في موقف حاسم أن “الولايات المتحدة لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع إيران، لكنها قريبة من ذلك”، مشددا على أنه “لن يتم صرف أي أموال لإيران مقابل توقيع الاتفاق، وأن أي فوائد اقتصادية محتملة ستكون مرتبطة بالتزام طهران الكامل بتعهداتها”. طهران وخسارة المبادرة تبدو محاولة النظام الإيراني الإيحاء، عبر تسريبات متناقضة، بأنه لا يزال متمسكا بالمبادرة، أقرب إلى السراب. ترامب لا يقدم هدايا مجانية، ولن يمنح النظام طوق نجاة سياسي أو اقتصادي. وعبّر عن ذلك بوضوح في هجومه على منصة «الحقيقة الاجتماعية»، واصفاً التسريبات الإيرانية بشأن الاتفاق المرتقب بـ«الإعلام المزيف»، ومؤكداً أن «الشروط التي سربتها إيران لوسائل الإعلام كاذبة، ولا علاقة لها بالشروط التي تم الاتفاق عليها كتابياً». كما وصف البيان الإيراني بأنه “ضعيف ومثير للشفقة”، معتبرا أن المسؤولين الإيرانيين “ليسوا شرفاء في تعاملاتهم” ولا يعرفون “حسن النية”، قبل أن يضيف: “عليهم أن يتصرفوا بشكل جيد، وبسرعة”. إن الغموض أو الارتباك الذي يشوب الموقف الإيراني يعيد إلى الأذهان نمط المناورة الذي ميزت دبلوماسية هذا النظام طوال عقود من الزمن. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما تراجع عراقجي عن لهجته الإيجابية، بعد الانتقادات التي واجهها من داخل إيران. واعتبر في مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني أن “إنهاء الحرب في مذكرة التفاهم تشمل لبنان، وهذا يعني خروج القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، ولن نتخلى عن حزب الله أبدا”، معتبراً أن “المذكرة تنص صراحة على الإنهاء الكامل للحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأصول الإيرانية”. كما أعلن أن إيران اتخذت “قرارا”. “مؤكدا أن إدارة مضيق هرمز لن تعود أبدا إلى ما كانت عليه قبل الحرب”، مشددا على أن “الطريقة الوحيدة المقبولة للتعامل مع مخزون المواد عالية التخصيب هي خفضه حصرا داخل الأراضي الإيرانية”. وهذا الموقف المتغطرس الذي عبر عنه عراقجي يصعب ترجمته إلى قاموس ترامب السياسي، وهو ما قد يشعل فتيل الصواعق الكامنة في بنود الاتفاق، وقد يقلب التسوية التي أعلنها الرئيس الأميركي ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر. المشهد اليوم يتجاوز حدود التفاهمات السياسية. عابر، يوحي بنهاية حقبة كاملة من المناورات التي اعتمدها نظام الولي الفقيه من أجل البقاء. ومع اقتراب ساعة الحسم، لم يعد السؤال في أروقة طهران يدور حول شكل الاتفاق أو بنوده، بل يدور حول حجم ما سيبقى من بنية النظام بعد توقيع صك الالتزام. إنها لحظة الحقيقة التي يدرك فيها الجميع أن خيارات النظام ضاقت إلى حد الاختناق؛ فإما أن يتقبل واقعاً جديداً ينهي أحلام التوسع والمقاومة، أو يواجه المصير الذي طالما حاول تجنبه بالمماطلة والمماطلة. وأخيرا، يجد نفسه أمام جدار مسدود، حيث لا مكان للمناورة، ولا وقت للتهرب، ولا سبيل للهروب.



