اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-26 19:30:00
لا تأتي ذكرى التحرير هذا العام بنفس البريق الذي اعتاد عليه اللبنانيون، فهي وقفة عاطفية عند نقطة انسحب فيها الاحتلال الإسرائيلي من معظم الجنوب في 25 أيار/مايو 2000. الجنوب الذي ارتبط في الذاكرة بصورة الانسحاب، لا يزال اليوم تحت وطأة التهجير والدمار والهجمات، في حين أن الهدنة التي من المفترض أن تطوي صفحة الحرب لم تؤد بعد إلى استقرار واضح، ولا إلى استقرار كامل. العودة، ولا إلى الشعور الحقيقي بالأمان. والمفارقة الأعمق هي أن التحرير الذي كان إنجازاً ميدانياً واضح المعالم، أصبح اليوم مرتبطاً بمسارات دبلوماسية تديرها واشنطن، وبأجندات أمنية تتحدد مواعيدها بين عواصم بعيدة عن الجنوب، جغرافياً وربما سياسياً. ويؤكد تمديد وقف إطلاق النار لخمسة وأربعين يوماً، والحديث عن جولات أمنية وسياسية أواخر مايو/أيار ومطلع يونيو/حزيران، أن الملف الجنوبي لم يعد مجرد ملف ميداني، بل تحول إلى ورقة مفتوحة على طاولات متعددة. ظاهرياً، يبدو لبنان وكأنه يستذكر المناسبة نفسها التي كان يحتفل بها قبل ربع قرن. أما بالنسبة للمضمون، فقد تغيرت المعادلة كثيراً. التحرير الذي كان في العام 2000 عنواناً لإنجاز عسكري كبير تمثل في إنهاء الاحتلال، أصبح اليوم موضوعاً لسؤال أكثر تعقيداً: من يملك قرار حماية ما تحقق؟ ومن يستطيع أن يمنع الجنوب من التحول مرة أخرى إلى مساحة معلقة بين حرب لا نهاية لها وهدنة غير كاملة؟ وهنا بالضبط تكمن حساسية اللحظة. قيمة التحرير لا تحتاج إلى إثبات، ولا يمكن إزالتها من ذاكرة اللبنانيين، خاصة في بيئة دفعت ثمن الاحتلال والهجمات والحروب. لكن الذكرى في ظروفها الراهنة تفرض على الجميع سؤالاً سياسياً مباشراً: كيف يمكن أن يتحول التحرير من إنجاز عسكري وشعبي إلى سياسة دولة مستقرة لا تبقى رهينة لموازين القوى ولا تفاوض الآخرين على أرضها من موقع اهتمام؟ وحدد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في كلمته بمناسبة الذكرى، الإطار الذي يتمسك به الحزب، وأساسه أن السلاح سيبقى ما دامت الدولة غير قادرة على أداء واجبها الدفاعي، وأن هذا الملف لا ينبغي التفاوض عليه أو التنازل عنه بشكل مباشر خارج استراتيجية دفاعية وطنية واضحة وقابلة للقياس. بمعنى آخر، المعادلة نفسها التي رسمت في المراحل السابقة، تعاد صياغتها اليوم بلغة تبدو أكثر دفاعية مما كانت عليه في أوقات القوة. وهكذا يحاول حزب الله أن يحول دون أن تتحول ذكرى التحرير إلى مناسبة لمحاصرتها سياسياً، وإعادة ربطها برواية المواجهة التي يعتبرها مفتوحة ما دامت إسرائيل حاضرة في الأرض والنار والتهديد. لكن قوة هذا الخطاب في سياقه لا تنفي أنه يتعرض للاختبار اليوم أمام حقائق تختلف عن تلك التي خلقت اللحظة الأولى للتحرر. تصطدم هذه المعادلة هذه المرة بسياق أثقل مما واجهه الحزب في المراحل السابقة. فالضغوط الدولية تتصاعد، والعقوبات تتراكم، والبيئة الداخلية التي كانت تمنح المقاومة هامشاً واسعاً من الدعم الصامت، أصبحت أكثر تعقيداً بعد أشهر من الحرب والنزوح والخسائر. كما أن الحديث عن السلاح لم يعد يدور في فراغ سياسي، بل في ظل مسار خارجي يحاول إعادة ترتيب قواعد اللعبة في الجنوب، وربط أي انسحاب أو تهدئة بضمانات أمنية جديدة. في المقابل، لا يبدو أن معارضي حزب الله قادرون على تقديم إجابة كاملة أيضاً. وتبقى الدعوة إلى حصرية السلاح في يد الدولة، من حيث المبدأ، مقاربة طبيعية لأي سيادة مستقرة، لكنها تفقد جزءاً من قوتها عندما لا تقترن برؤية عملية لكيفية حماية الجنوب ومنع إسرائيل من تحويل أي فراغ أمني إلى فرصة جديدة. الدولة المطلوبة اليوم ليست مجرد شعار في وجه الحزب، بل هي مشروع قدرة: القدرة على التفاوض، والانتشار، والردع السياسي، وحماية الناس، ومنع أي طرف خارجي من فرض أجندته على لبنان. الدولة بين التفاوض والسيادة المنقوصة. ويبدو أن الدولة في موقف حساس للغاية. وهي تتحرك تحت عنوان تثبيت التهدئة وإدارة المسار التفاوضي مع الجانب الأميركي، سعياً لاستعادة الوجود السيادي في الجنوب، لكنها تعلم أن أي اتفاق لا يمكن أن يستمر إذا بقي القرار الفعلي منقسماً بين الجيش وحزب الله والضمانات الأميركية والحسابات الإسرائيلية. في الوقت نفسه، تعرف الدولة أن أي ضغوط خارجية مبالغ فيها في موضوع السلاح، من دون انسحاب إسرائيلي واضح ومن دون ضمانات فعلية، تعطي الحزب مادة إضافية للقول إن المطلوب من لبنان ليس بناء الدولة، بل إزالة أدوات السلطة قبل معالجة أسباب المواجهة. لذلك، لا يبدو اختبار الدولة بسيطاً: عليها أن تثبت قدرتها أمام العالم الخارجي، أمام اللبنانيين، والجنوبيين بشكل خاص، من دون أن تتحول إلى واجهة لتسويات لا تملك وحدها أدوات تنفيذها. ومن هنا، لا يمكن فصل ذكرى التحرير عن المسار التفاوضي المستمر. ولا يبدو أن المسار الأمني المتوقع والمسار السياسي المقرر مطلع يونيو المقبل مجرد تفاصيل فنية في إدارة وقف إطلاق النار. ومن الناحية العملية، فهي محاولة لإعادة تحديد قواعد اللعبة في الجنوب: انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار أوسع للجيش، وإشراف أميركي أكثر صرامة، وضمانات تريدها إسرائيل قبل اتخاذ أي خطوة. لكن المشكلة الأكبر لا تزال لبنانية قبل أن تكون أميركية أو إسرائيلية: هل يستطيع لبنان أن يذهب إلى هذه الطاولة بموقف واحد، أم أنه سيكرر عادته بالخروج إلى الخارج منقسماً على نفسه؟ والأخطر من ذلك هو أن إسرائيل تستفيد في كثير من الأحيان من هذا الانقسام. فهي تواصل التعامل مع الجنوب باعتباره منطقة ضغط مفتوحة، وتربط أي انسحاب بضمانات وشروط، مما يترك لبنان أمام معادلة صعبة: إما القبول بالترتيبات الأمنية تحت الضغط، أو البقاء في دوامة الرد والرد المضاد. وفي الحالتين يدفع الجنوبيون الثمن الأعلى، لأمنهم وبيوتهم وعودتهم إلى قراهم، فيما يتحول معنى التحرير من صورة الاحتلال الغادر عام 2000 إلى سؤال يومي حول القدرة على منع عودته ولو بأشكال جديدة. ولذلك فإن ذكرى التحرير هذا العام قد تكون أقل احتفالية وأكثر اختباراً. فهو يضع حزب الله أمام سؤال الانتقال من شرعية الإنجاز إلى مسؤولية النتائج، ويضع الدولة أمام سؤال إثبات الوجود، ويضع قوى المعارضة أمام سؤال البديل العملي، وليس مجرد الموقف السياسي. السلاح وحده لا يستطيع أن يصنع الاستقرار الدائم، ولا الدولة الضعيفة قادرة على إقناع اللبنانيين بأن لديها البديل الجاهز، ولا الخارج قادر على خلق السيادة اللبنانية إذا ظل الداخل غير قادر على الاتفاق على معناها. المفارقة أن الجميع يتحدث باسم السيادة، لكن كل طرف يرى الأمر من زاوية مختلفة. ويرى حزب الله في قدرته على مقاومة إسرائيل ومنعها من فرض إرادتها. ويرى خصومه أنها حصرية لصنع القرار والسلاح والمؤسسات. وتحاول الدولة الجمع بين العنوانين، لكنها لا تزال تتحرك ببطء، وغالباً تحت ضغط الحقائق وليس وفق رؤية كاملة. أما الناس، خاصة في الجنوب، فهم يريدون سيادة أقل نظرية وأكثر قدرة على حماية حياتهم وبيوتهم وأرزاقهم. لذلك، لا يكفي أن يحيي لبنان ذكرى التحرير وكأن الزمن توقف عند لحظة عام 2000. فالإنجاز الذي تحقق في ذلك اليوم لا يفقد قيمته، لكنه يحتاج اليوم إلى معنى سياسي جديد، يقوم على منع إسرائيل من استعادة اليد العليا، وفي الوقت نفسه على منع الداخل اللبناني من البقاء رهينة سلاح خارج المؤسسات أو المؤسسات العاجزة عن حماية أرضه. ولعل التحدي الأكبر الذي تطرحه ذكرى التحرير هذا العام هو أن لبنان لا يبقى عالقاً بين احتفال لا يطابق الواقع ومحاسبة لا تقدم حلاً. فالتحرير الذي لا يتحول إلى سيادة فعلية وسياسة دولة مستدامة يظل مهددا في كل لحظة، والدولة التي لا تملك أدوات الحماية أو سلطة القرار تظل عاجزة حتى عندما تحسنت النوايا. وبين هذين العجزين، يقف لبنان اليوم أمام اختبار ليس جديداً، بل أصبح أكثر إلحاحاً: كيف يمكنه الحفاظ على إنجاز عام 2000 من دون أن يبقى أسير معادلات خلقها عصر لم يعد العصر الحالي؟



