اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-23 10:18:00
“المبنى ينهار، وفي داخله الكثير من الأشخاص… مات 14 تحت الأنقاض”؛ هذا المشهد المؤلم لانهيار المبنى في طرابلس – باب التبانة، ظل يطارد سكان المدينة منذ أيام، كصورة تشبه ما شهدته مباني الجنوب المدمرة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. في اليوم نفسه الذي زار فيه رئيس الوزراء نواف سلام الجنوب، انهار مبنى طرابلس في وقت «رمزي»، يذكرنا بأن الدولة كانت غائبة عن المدينة أيضاً، وأن استبعاد طرابلس من التنمية قادر على الدمار والقتل، تماماً كما فعلت الحرب في الجنوب. والمبنى الذي انهار ما هو إلا واحد من نحو 600 مبنى مهدد بالانهيار، بعلم الدولة، وبافتراض أن كل مبنى يسكنه عشرة أشخاص، فإن نحو 6000 شخص معرضون للخطر حاليا في طرابلس. وهو ما يطرح التساؤل حول من «خزن» ظروف انهيار هذه المباني على مدى عقود، في جريمة إهمال ممنهج لا تقل خطورة عن تخزين نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. سقط المبنى فجأة، لكن أسباب انهياره تعود إلى عقود من الإهمال الممنهج للمدينة، مما يوضح أن الدولة فعلت ذلك بطرابلس أيضاً. لم يتم تهميش طرابلس نتيجة انهيار الدولة فحسب، بل تم إسكاتها أيضًا بسبب الفقر والإرهاب، مما عطل قوتها الجيوسياسية في موقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط وبوابة لبنان إلى سوريا. فالمدينة ذات الأغلبية السنية المعارضة لنظام الأسد وحزب الله، لم تُستبعد من الخريطة الاقتصادية فحسب، بل أيضاً من دورها السياسي الوطني. وهذا يجعل السؤال أعمق من قيادتها: لماذا كان لا بد من إضعاف طرابلس؟ ما الوظيفة التي كلفت بها ضمن المنظومة اللبنانية؟ وكيف أدى الفقر والقبضة الأمنية إلى هذا الدور؟ الإفقار كسياسة استعباد بعد الحرب الأهلية، أصبحت مركز الثقل الاقتصادي في بيروت، مما أدى إلى تقليص دور طرابلس تدريجياً. انهارت مصفاة النفط في البداوي، ولم يبق الميناء إلا المنفذ الوحيد الذي يحافظ على الانتعاش الاقتصادي في المدينة. إخراج طرابلس من المشروع الاقتصادي الوطني كان جزءاً من سياسة الدولة تجاه المحافظات الهامشية: البقاع والجنوب والشمال، لتغذية النظام الاقتصادي في الوسط، بالتوازي مع سياسة الإفقار والجهل لتحويل المدينة إلى شبه ضاحية، مما يفقد العاصمة مقدراتها ويختفي من الخريطة الوطنية. في عام 2015، قدرت الإسكوا أن 57% من سكان طرابلس يعانون من الحرمان، وأن 26% يعيشون في فقر مدقع. وفي عام 2022، أشار البنك الدولي إلى أن الركود المتعمد في لبنان “خطط له قادة النخبة الذين سيطروا على الدولة لفترة طويلة واستولوا على فوائدها الاقتصادية”. وهذا يعني أن الإفقار والتهميش كانا سياسة حكم وليس مجرد انهيار دولة، بهدف ضمان تبعية المدينة وقادتها وتحويله إلى ملف أمني كبير، وإخراجه من المعادلة السياسية. معارك الإلهاء وإعادة توجيه الغضب. ذابت الطبقة الوسطى في طرابلس بين الأغنياء والفقراء، فيما ظل الغضب الشعبي متنفسا افتراضيا يديره الأمن، ينتقل أفقيا بين الأحياء الفقيرة مثل التبانة وجبل محسن. البنية التحتية المتداعية سواء في التبانة أو جبل محسن هي نفسها، فقط صور القادة تختلف لتعزز الانقسام. ويسيطر “حزب الله” من بوابة الميناء. وتم إهمال المدينة لخدمة مصالح “حزب الله” الذي استغل لقب “الإسلاميين” لتبرير سيطرته الأمنية على المناطق ذات الأغلبية السنية، بما فيها طرابلس، مستفيدا من الميناء الذي كان في السابق ممرا للتهريب. قرب المدينة من سوريا عزز أهميتها الجيوسياسية، لكن وصفها بالإرهاب أضعف دورها السياسي، ليتحول الشاب الطرابلسي إلى ملف أمني ضمن ملف أمني كبير. هل يكفي ترميم المباني أم المطلوب إعادة تحديد الدور السياسي؟ ومع انهيار المبنى، تجمعت الملفات أمام حكومة العهد الجديد، التي لم تكن جزءاً من «الدولة العميقة». وعقد رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً طارئاً، ثم زار طرابلس برفقة الوزراء المعنيين، لإطلاق خطة الإيواء والترميم، في محاولة لاستعادة الدولة راعياً حامياً في طرابلس وسيادة في الجنوب، ولضمان تحقيق العدالة في ملف انفجار مرفأ بيروت. لكن انهيار المبنى لم يكن مجرد انهيار حجارة، بل انهيار وظيفة سياسية بأكملها حكمت المدينة لعقود من الزمن. عاصمة الشمال لا تطلب إنقاذاً مؤقتاً، بل تعريفاً سياسياً جديداً لوظيفتها ضمن مشروع وطني يعيد للمدينة مواطنتها وإنسانيتها، بعيداً عن وصمها بالفقر والإرهاب. المدينة كملف أمني كما يرى المفكر فرانز فانون «إن المستعمر يجد حريته في العنف». لقد تم استعمار طرابلس بالإفقار الممنهج، فكان الشارع منفذها الوحيد للاحتجاج. فالاستعمار الاقتصادي والسياسي حوّل غضب الشارع إلى قضية أمنية فردية، وحوّل الفوضى والاعتراض إلى أداة لإطفاء الثورة الشعبية، كما تظهر أحداث الشارع بعد الثورة اللبنانية وحالات استشهاد شباب المدينة. ولم تكن الدولة غائبة تماماً، بل كانت حاضرة فقط بشكل أمني، للاحتواء وليس للعدالة، وهو ما ساهم في تحويل الغضب إلى أداة سياسية وأمنية، بدلاً من أن يكون صوتاً للمطالبة بحقوق المواطنين. كل ذلك ضمن نظام يعيد إنتاج الإفقار والسيطرة والتهميش، ويجعل من المدينة مسرحاً للسيطرة السياسية والأمنية، مع تعطيل حياتها الاجتماعية والاقتصادية.


